|
|
|
الطريق إلى الدولة الإسلامية الواحدة |
||
|
دراسة: الدكتور إياد موسى محمود
إن التغيير، بحسب ما يقرره الإمام الشيرازي، عملية إبداعية يمكن أن تحدث فيها هفوات واخفاقات، وقد أشرنا من قبل إلى ذلك، ومن المريح جدا أن يجلس الفرد المسلم على شاطئ البحر تركا للمسك فرصة الذهاب إلى السوق، أو أن يجلس الفلاح في بيته يحلم أن السماء ستحرث التربة وتبذر البذور وتنزل المطر، ثم تجمع له المحاصيل وترسلها إلى بيته... من المريح أن يحدث هذا، ولكنه لا يحدث ولا يمكن أن يحدث، بل لابد من العمل، والعمل بطبيعته قابل للهفوات والأخطاء، ومهمة الفكر السياسي، تجيير تلك الهفوات والأخطاء لصالح النهضة الإسلامية ضمن رؤاه وتخطيطاته وقواعده الارتكازية... . لقد كان الشيوعيون في البلدان الإسلامية، قبل انهيار النظام الشيوعي، يدعون أن جميع الجهود، التنموية والنهضوية في العالم لا يمكن أن تنجح ما لم تسيطر الأحزاب الشيوعية على مقاليد الحكم، ومن أجل أن يحققوا ذلك كانوا يشغلون الناس عن العمل، ويدفعون بهم إلى عالم الأحلام الوردية والشعارات التخديرية، آملين أن يؤثر ذلك على مسيرة العمل التغييري الذي ينادي به افسلام، ويعمل على إفشاله، أي أنهم حاولوا خلق (ظروف ذاتية) سلبية للقضاء على العامل الذاتي في تكوين النهضة الإسلامية ونجاحها في الوصول إلى أهدافها. وكانت النجاحات الملموسة على أرضية التاريخ، على ما يسرده سماحة الإمام الشيرازي، خير رد موضوعي على تلك الادعاءات، إن الفكر السياسي الرصين يستطيع، وبكامل الثقة، أن يبرهن عمليا، على فشل المقولات الماركسية، وذلك بدعوته، إلى تجييش مختلف قطاعات المجتمع للاستفادة من الظروف الموضوعية المؤاتية، والسير نحو إنجاز مشروع الدولة الإسلاميةالواحدة. وهذا يعني أن المجتمع يجب أن يسعى إلى مراعاة جميع الفرص مسبقا إلى أقصى حد. ويعني، أيضاً، أنه لا يجوز لأي فرد في المجتمع أن ينخرط في الأداء الوظيفي والعملي بصورة عشوائية مؤملا بأنه سيتمكن في سياق تلك المعرفة من إيجاد الظرف المناسب للتقويم. كلا، فالمجتمع الناهض، وضمن إطار الفكر السياسي الذي يقوده، يسعى إلى حساب كل شيء ومراعاته إلى اقصى حد، وعدم التورط في المعارك الجانبية على قدر الإمكان، خاصة إذا كانت الموازين ليست في صالحة، إلا أن ذلك المجتمع لا يمتلك دائما إمكانية ذلك الحساب بدقة وبلا خطأ، هذا يعود - بالدرجة الاولى - إلى حنكة القيادة السياسية العليا (وهي شورى الفقهاء) التي يفترض فيها قيادة العمل التغييري، أولا، ثم قيادة التطور النهضوي، ثانيا، ومدى حرصها على تطبيق مقولات نظريتها في التنمية والنهضة وعلاقاتها الخارجية. إن المجتمع الناهض يجب أن يمتنع - على قدر الإمكان - عن تبني الخروقات الناتجة عن الطفولة السياسية، والشعارات الرنانة؛ فإن المراقب السياسي لأوضاع المجتمعات العالمية، عبر التاريخ، كثيرا ما يلاحظ فشلا عاماً في الاستمرار في المشاريع التنموية بسبب الطفولة السياسية والشعارات الطوباوية التي تطلقها فئات معينة في المجتمع مستفيدة من حالات التقدم التي تصل إليها الأوضاع وباستغلال الظروف الذاتية للأفراد الذين لم يستطيعوا مسايرة العمل الصارم الذي يجب أن تتصف به النهضة، أي نهضة. إن رغبة بعض الأفراد، أو القاطاعات الاجتماعية، في الركون إلى الدعة والراحة - مثلاً - وترك تنفيذ المشاريع ليقوم بها الخبراء الأجانب والأيدي العاملة المستوردة، إن مثل هذه الحالة البليدة هي وضع للعصا في عجلة التقدم؛ لأن المفترض - وكما نص عليه الإمام الشيرازي - أن الاستعانة بالخبرة الأجنبية والعمالة الوافدة هي حل مؤقت لا يجوز استغلاله لإيصال المجتمع إلى حالة الركود التام فيتوقف البلد عند حدود التحديث فقط، وقد سلف الكلام على هذا الموضوع، ولكننا هنا نجده صالحا للتذكير بأن هذه الظروف الذاتية للأفراد يمكن أن تكون محل استغلال من قبل فئة أو حزب (في شعاراتها الطوباوية التي تعمل دائما - في حالة استلامها للحكم - على تأخير البلاد وتحطيم بناه الاقتصادية والثقافية ومرتكزاته التنموية التي هي مجرد تجليات متغيرة في عملية بناء النهضة. ويمكن التدليل على هذا بالمشاكل التي تتخبط بها مجتمعات ودول في الرقعة الإسلامية نفسها، كما هو الحال في الدول الحالية الموصفة بالإسلامية. إنالمجتمع الحي، بطبيعة حيويته، يمتنع عن السيروراء الطفولية السياسية والشعارات الطوباوية البراقة، بل إن عليه - أيضاً - ألا ينساق وراء مشاريع لا يبشر إنجازها بأي نفع، خاصة إذا كانت تلك المشاريع سابقة لأوانها، بحسب رؤية الفكر الساسي ارصين. وقد أجمل الإمام الشيرازي هذه المفاهيم، في عديد من الصياغات، نلاحظها في مواضع كثيرة من مؤلفات الإمام الشيرازي، كقوله: (من الضروري على القائمين بالحركة الذين يريدون الوصول إلى حكومة إسلامية عالمية، ملاحظة أمرين: الأمر الأول: إن الحكم هدم وبناء، هدم لما سلف، وبناء الحكومة الإسلامية ذات ألف مليون مسلم، وإذا كان الهدم والبناء يتكونان من مئة عنصر، فواحد للهدم، وتسعة وتسعون للبناء، فمن الضروري ملاحظة أن البناء يحتاج إلى افراد يقومون بملء الفراغ الذي سببه ذهاب الأنظمة السابقة، فإن الأنظمة السابقة لابد أن تكون لها تشكلات وأسس وأفراد وكوادر ومؤسسات وما أشبه، فإذا فرغ البلد من تلك المؤسسات فلابد أن تقوم مقامها مؤسسات أخرى تملأ الفراغات التي حدثت بسبب سقوط الأنظمة البائدة، وليس هذا بالأمر السهل.. فعلى القائمين بالحركة أن يمهدوا لذلك بأمرين: الأمر الأول: أن يهتموا لتربية الأفراد كحكومة كاملة، مجموعة للأمن ومجموعة للوزارات، ومجموعة للسفارات، ومجموعة لقيادة الجيش، ومجموعة للنجدة، ومجموعة للإعلام، ومجموعة للتخطيط، وهكذا.. فيشكلون حكومة ظل تتمكن إذا ذهبت الحكومات السابقة ملء الفراغ في المراكز والقيادات ولاجيش والشرطة والأمن والنجدة والإعلام والبنوك، وغيرها.. الأمر الثاني: أن يستقطبوا العناصر الحميدة في الحكم السابق والأفراد الذين لم يكونوا أعضاء في الحركة حتى يشغل الفراغ، ولا يسبب الفراغ سوء نظر الناس إلى الحكم الجديد، فيقولون إن الحكم القديم خير من الحكم الجديد. وهذا الأمر بكلا بنديه، أي تربية الأفراد من ناحية واستقطاب أفراد آخرين، يحتاج إلى تخطيط سليم وتفكير شمولي وسعة صدر). (السبيل 225- 226). وبعبارة أخرى إن الذات الفاعلة للعملية النهضوية يجب أن تمتنع عن العنف ضد التاريخ، عن محاولات دفعه بصورة مفتعلة، يجب ألا تحاول استباق عملية التطور التدريجي، بمعنى أن تتخلى عن نهج الطفرات في عملية النمو، لأن هذه الأمور هي أعمال ارتجالية بدون توفر الظروف الضرورية لإنجاحها. إن العنف ضد مسيرة التاريخ وقوانينه، وسنن الله في الكون، لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة أبدا، إلا إذاكان الهدف هو الدمار والخراب العام. إن الاعتراف بهذه الحقيقة هو الفارق الجوهري الذي يتميز به فكر سماحة الإمام الشيرازي عن النزعة الطوباوية واللاعلمية التي تنتشر وعلى نطاق واسع بين قطاعات واسعة، وفاعليات سياسية هنا وهناك وهنالك، وبالدرجة الأولى تلك الجهات الواقعة تحت تأثير التنظيرات الماركسية ومؤلفات ماركوزه وفانون وديبريه، وكذا الجهات المتخبطة في رؤاها السياسية المضطرية أساساً، إضافة إلى الجهات الخاضعة للتوجيهات الامبريالية كنظريات أو توجيهات أو تواطؤ، مثلهامثل تلك الجهات التي تفتقد إلى خطة نهضوية يحكمها فكر سياسي، مكتفية بأسلوب الطرة والتحديث على أنه (نهضة) و(تطور). وقد سبق أن اشرنا إلى أنٍ التحدث جزء من النهضة حين يكون موظفا لتحقيق غايات الفكر السياسي، ولكنه يصبح عبئاً ثقيلاً إذا كان مقصوداً لذاته فقط، كما لوكان (ديكوراً) للوضع السياسي. أما الطفرة فليست جزءا من عملية النهضة، إلا في مرحلة واحدة، هي مرحلة تغيير السلطة، لغرض تحقيق مقدمات النهضة وتنفيذ برامج الفكر السياسي، وقد سبق بحث هذا الموضوع. ولكن، ماذا سيحدث‘ إذا طفت طموحات الناسٍ على السطح، وكانت أكبر من الإمكانيات، وخلافا لكل التحذيرات تحولت إلى ضغوط أو تمثل عبئا على الحكومة الإسلامية؟ وذلك حين تكون الإمكانيات المتاحة أقل مما يطمح إليه أبناء المجتمع المسلم. في هذه الحالة، غالباً ما يقع التناقض بين الواقع والطموح، ويكون هذا التناقض خطيراً من عدة جوانب: 1 - إمكانية استغلاله من قوى تسير خارج حركة المجتمع السياسي الإسلامي، قوى داخلية أو قوى خارجية. 2 - إمكانية تفجره الذاتي وتحوله إلى طفولة سياسية، فيكون عائقا حقيقيا أمام العمل التغييري المتوازن المؤدي إلى إنجاز مشاريع النهضة في ظلال الدولة الإسلامية الموعودة. 3 - إمكانية تحوله إلى الضدية من بعض المؤسسات القائمة أو ضدها جميعا. 4 - إمكانية قيام بعض الأفراد أو الجماعات - بحجة القصور أو التقصير - إلى نشاطات سلبية، قد تدفعهم إلى التحالف مع قوى خارجية معادية. 5 - احتمال قيام الحكومة الإسلامية - وبغرض امتصاص تلك الظاهرة - بأعمال ومشاريع غير مدروسة، مما يؤدي إلى تفاقهم الوضع وانهيار مشروع النهضة الإسلامية ونظريتها، وبخاصة في غياب مسألة الشورى أو عدم قيام المسؤولين عن الشورى بواجباتهم المنوطة بهم. إن الذين يريدون اقتحام السماء بالأقمار الاصطناعية والصواريخ، عليهم أن يبدأوا من شق التربة وتوفير المياه وزرع البذور، وأن يتعلموا كيف (يصنعون) ما يحتاجون، ويكتسبون ماهم بحاجة إليه. وهو ما يعبر عنه الإمام الشيرازي بالاكتفاء الذاتي ومقاطعة البضائع الأجنبية. ونظراً لأهمية هذا الموضوع نبيح لأنفسنا هنا، نقل هذا النص للإمام الشيرازي: (كان الكلام حول كيفية إقامة حكومة ألف ملوين مسلم، وقلنا إن ذلك يتوقف على أسس هي التوعية، التنظيم، أصول الحركة العامة، والسلام، هذه أسس أربعة ذكرناها في حلقات سابقة، أما الأساس الخامس لمثل هذه الحكومة فهو: الاكتفاء الذاتي: يعني أن يهتم المسلمون بأن تكون حوائجهم من عند أنفسهم، فلا يطلبون من الشرق والغرب حاجة، سواء كانت صغيرة أم كبيرة. وذلك ممكن, فالبلد الإسلامي إذا صار يدا واحدة من غير فرق بين السودان وليبيا والمغرب ومصر والأردن وسوريا والعراق وإيران والخليج والباكستان وأندونيسيا وبنغلادش وأفغانستان وغيرها من الأجزاء المقطعة من الجسم الإسلامي الواحد.. إذا عدت هذه البلاد بلدا واحدا أمكن أن يعطي كل بلد حوائج البلاد الأخرى. وهكذا يقوم المسلمون الألف مليون بحوائج أنفسهم، فلا يستوردون من الشرق أو الغرب أي جهاز من الأجهزة، وهذا الشيء يبتدئ من الصفر بأن تقوم الحركة بنفسها بتطبيق هذا المبدأ على نفسها وأعضائها أولا، ثم تقوم بالدعايات الكافية وتوفير الشروط اللازمة لأجل الاستغناء، فقد قال على أمير المؤمنين، (عليه السلام): احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره. فما دام المسلمون محتاجين في لباسهم وفي أدواتهم الكمالية، وفي المأكل والمشرب والمركب وغير ذلك، إلى أمريكا وإلى فرنسا وإلى بريطانيا وإلى روسيا وإلى الصين وإلى اليابان، أو إلى غيرها، فهم أسراء في أيديهم، وبالفعل نحن أسراء، ولذا لا استقلال لنا ولا حرية، ولا آراؤنا تسمع، ولا لنا كلمة يصغى إليها، نحن أسراؤهم وفي حال الأسر لا يمكن أن تقام الدولة الإسلامية الواحدة، كما لا يمكن أن تقوم حركة حقيقية تتقدم حتى تصل بالمسلمين إلى حكومة ألف مليون مسلم). (السبيل 177). ولذا فإن الإمام الشيرازي، مع اعترافه بوجود شيءٍ اسمه (واقع) وشيء اسمه (طموح) إلا أنه دائما يربط بين الواقع والطموح، بعد أن ينقذ (الطموح) من براثن أحلام اليقظة والطفولية السياسية. كما أنه، بتوفيره العامل الموضوعي والعامل الذاتي للنهضة، وبدعوته المتواصلة على ترسيخ المؤسسات بالارتكاز على، أو الانطلاق من البؤرة الشرعية وبإعلام تغييري رصين ومتشعب الإنجازات، وبتحقيق مستويات متلاحقة من النمو الاقتصادي - الاجتماعي الحقيقي وغير المزيف، يمكن أن يحد من الفارق بين (الواقع) و(الطموح). وبلا ريب فإن وجود فارق بين الواقع والطموح، مسألة مهمة جدا، لأنها تسمح لذلك الواقع بملاحقة الطموح دائما، وذلك هو الطريق إلى الدولة الإسلامية الواحدة، ونعني به طريق مواصلة العمل التغييري. ولكن هل يمكن - على صعيد الواقع - تحقيق هذه النظرية (نظرية العمل التغييري المستمر) بشكل يؤدي - فعلا - إلى استمراره وديمومته؟ هذا ما سنجيت عليه في بحث العدد المقبل من هذه الدراسة.
* أستاذ الاجتماع في جامعة (سيسكس) البرطانية.
|
||