الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

نظرية العمل التغييري المستمر لبناء الدولة   أعلى

 

دراسة : الدكتور إياد موسى محمود*

يجب أن نفهم أن العمل التغييري المستمر، هو حركة المجتمع إلى الأمام، وليس ذلك فقط لأنه يتحقق لصالح المجتمع، بل وكذلك لأنه يتحقق من قبل هذا المجتمع نفسه، المندمج أفراده، بهذا القدر أوذلك في وظائف علميات الحكومة.

ولما كانت نظرية (العمل التغييري المستمر) وهو ما سنسميه بالنهضة المستمرة، هي المعاكس الموضوعي الدائم لمنهج الطفرات والعنف ضد التاريخ؟ لما كان منهج الطفرات، والعنف ضد التاريخ قد أثبتا فشلهما في مختلف أنحاء العالم، وعبر المسيرة التاريخية للمسلمين وغيرهم، أمكن القول أنه لا مفر من نجاح نظرية النهضة المستمرة.

لقد ولى زمان المفاجآت على مستوى النمو والتغيير، وتعين على المسلمين ملاحقة طموحاتهم النهضوية الجماعية، وأن يكونوا على علم كامل بمدى مصداقية وواقعية وأهمية تلك الطموحات. ويتعين عليهم التساؤل: إلى أي هدف تسعى النهضة؟ ومن أجل ماذا يصبّون جهودهم ويوجهونها؟

ومن جهتها، فإن القيادة السياسية العليا في الدولة الإسلامية ممثلة في شورى الفقهاء المراجع تقوم بتقديم ما يمكن أن نسميه (الكشف الدوري) عما تم إنجازه، وعما تطمح إلى إنجازه، وتشرك الرأي العام في كلّ ذلك، بالاستشارة والعمل، ومن خلال محاسبة المسؤولين على كيفية أداء واجباتهم.

على أولئك المسؤولين أن يقفوا وقفه تأمل وأمل، للماضي والمستقبل، وأن يبينوا للناس ماذا فعلوا. وماذا سيفعلون؟ مادام الهدف المنشود هو إعادة أمجاد الإسلام السالعة.

إن هذا الكشف الدوري، إضافة إلى تلاحق مراحل النهضة، يسند ما سبق أن ذكرناه من أن تحليل البنية الاجتماعية والتاريخية للإسلام، واتجاهات التطور التاريخي للمجتمع المسلم، يدلل على أن القوى الفاعلة في العمل التغييري، بحسب مقولات الإمام الشيرازي، هي جميع فئات المجتمع، وبمختلف مناطق البلاد الإسلامية، فالنهضة ليست فئوية ولا طبقية، كما أن إنجازاتها لا تخص فئة دون فئة، ولا منطقة دون منطقة، هي منبثقة من الجميع، وهي عائدة للجميع، بحسب الجهد المبذول.

إن كل فئة، وكل شريحة في المجتمع، لا تستطيع أن تواكب أخلاقيات النهضة، وفكرها السياسي، لابد أن تضمحل وتتلاشى، بسبب أن هذه النهضة هي نهضة مستمرة، وباستمراريتها كفيلة بمنحها بعدها الأفقي، كما تمنحها بعدها العمودي.

إن استمرارية العمل النهضوي التغييري نابعة - بالدرجة الأولى - من وجود النهضة ذاتها، ومكانتها في منظومة علاقات المجتمع السليم بناءً على متبنيات الإسلام ذاته، حتى لوكانت بعض الفئات الاجتماعية غير مستوعبة بشكل دقيق لهذه النظرية، معتقدة أنها اكتفت بالعبادات كالصلاة والصيام والحج عن ممارسة التغيير والمشاركة بتطور المجتمع؛ لأن هذا الاعتقاد، بقدر ما ينهي استمرارية النهضة، ينهي أيضا النهضة ذاتها، ويقف بها عند نقطة تجمد، في حين يقتضي منطق العصر كسر الجمود، كما أنه يسيء إلى موضوع العبادات ذاتها، وقد رأينا فيما سبق كيف أن الإمام الشيرازي يرى العمل من أجل إقامة الدولة الإسلامية نوعا من أنواع العبادة.

القضية تكمن في: ماهية النهضة واقعيا؟ وفي ما ستضطر إلى فعله تاريخيا تبعاً لوجودها هذا؟ إن مكانتها الحيوية الذاتية، شأنها شأن مجمل عمليات التنمية، تشير بأكبر قدر من الوضوح وبصورة لا جدال فيها إلى هدفها وقضيتها التاريخية.

وبديهي أن ارتفاع درجة نضوج الفرد المسلم، وتحوله من ظروفه الذاتية المناقضة لاستمرار النهضة، إلى الظروف الذاتية للنهضة نفسها، لا يتحقق - موضوعيا - بخدمة النهضة، لأنه حين يشعر بذلك الشعور، يضع بينه وبين العمل التغييري ذاته حاجزا نفسيا، قد يخترقه حينا، ولكنه سيفشل في اختراقه أحيانا كثيرة، ولذا فإن ذلك يتحقق - موضوعيا - بممارسة وعيه التاريخي برسالته الحضارية وضرورة اندماجه وانتظامه الكاملين في مسيرة العمل التغييري، سواء من قبل إقامة دولة الإسلام أم من بعد إقامتها، فهو جزء منها بلا أي نوع من أنواع الحواجز.

ولقد أثبت التطور اللاحق للمجتمع الإسلامي والنهضة الإسلامية عبر التاريخ، من منظور الإمام الشيرازي، أن الرسالة التاريخية للبلاد هي المحافظة على السلام الاجتماعي، فهذا المجتمع المسلم يجب أن يكون مجموعة واحدة متناسقة ومتناسبة، تنمو بشكل مطرد وطبيعي، أي أنها يجب أن توسع من مجال عملها ونطاق تأثيرها، ليكون نموها نوعيا، أي أن المجتمع، يجب أن يتحول ماديا كما يغتني روحيا عبر تطوير كوامنه المورثة، ليصبح ذاتا فاعلة واعية للإبداع الحضاري.

إن هذا النمو الطبيعي الذي يرسمه سماحة الإمام الشيرازي يأخذ على عاتقه الإسقاط المستمر لمظاهر التخلف في شتى ميادين الحياة، كما يهيئ الإمكانية والقوة لتحقيق ذلك. وفي الوقت الذي تظهر فيه خروقات متعمدة من القوى المناوئة للنهضة واستمراريتها، كأمر طبيعي أو مفتعل، فإن ذلك النمو يرص الصفوف أكثر فأكثر. وقد جعل الإمام الشيرازي ذلك الموضوع من أهم ما يلزم الدولة الإسلامية أداؤه. (ينظر مثلاً: السبيل إلى إنهاض المسلمين ص 291).

إن هذا النمو الطبيعي، وبحكم دور المسلمين التاريخي والحضاري، في الإنتاج العالي حضاريا - نسبة إلى ظروف البلاد وخصوصياتها - قادر على إنجاح نظرية النهضة المستمرة في مواجهة الإرهاب والإستعمار وكل اشكال الاستغلال المناقض أساسا لجوهر النهج الشيرازي.

وتجدر الإشارة - هنا - إلى أن الإمام الشيرازي لم يضف أبدا طابعا دراماتيكيا) على دور المسلمين - في نموهم الاجتماعي العام - في تنفيذ النهضة المستمرة. فذلك الفكر، يدرك بوضوح، أن الشعارات الطوباوية، والإرهاب، والاستعمار، والتأثيرات الأيديولوجية لمنظري الماركسية والإمبريالية، لا بد وأن تعالج على مستوى الأداء التغييري، أي على مستوى العمل، لا على مستوى الشعارات، يقول الإمام الشيرازي:

(وليست المسألة مسألة المبادئ والتاريخ فقط، وإنما مسألة التطبيق أيضا، فقد رأى المسلمون والعالم أجمع المجتمع الإسلامي الأول الذي بناه الرسول الأعظم، (صلى الله عليه وآله وسلم مجتمعا مبنيا على الألفة والثقة والتعاون والمحبة ووحدة الكلمة والاستشارة.. و.. لقد رأوا منهجا سليما وتطبيقا كاملا لذلك المنهج.

بينما لا يرى الناس في كثير من المنظمات والأحزاب إلا النموذج (أي الشعار) الذي تدعو المنظمة أو الحزب أو الجماعة أو الهيئة إليه، بل يرون العكس من ذلك.

مثلاً: المنظمة أو الحزب أو الجماعة تدعو إلى الشورى في الحكم، والناس يرون أن الاستبداد والدكتاتورية يسودان التنظيم فيقولون: هؤلاء يمارسون الدكتاتورية في ما بينهم قبل الحكم فإذا وصلوا إلى الحكم فماذا سيصنعون؟!

ويرون بينهم الاختلاف الفاحش في مستوى المعيشة، فبينما يرون الطبقة العليا من المنظمة أو الحزب تتمتع بالدور والأثاث والسيارات والزوجات وما أشبه يرون قاعدة الحزب محرومة من كل ذلك.

ويرون ن قيادات المنظمة والحزب أو ما أشبه يجلسون في الأبراج العاجية، ويأمرون الأفراد بالأعمال الشاقة من السهرو إلقاء أنفسهم في المهالك والمشاكل ونحو ذلك.. وكل ذلك مما يزهد الناس في الانضمام إلى هذه الأحزاب وما أشبه، أولا، ويوجب عدم اطمئنان الناس بهم حتى يساعدوهم في الوصول إلى الحكم، ثانيا) (الصياغة الجديدة ص 672).

ويظل هناك سؤال يفرض نفسه، في هذه المسألة انه في أي مرحلة من مراحل الوعي، يستطيع المندمجون في عملية النهضة المستمرة، من وضع نظرية خاصة بهم لتنظيم أدائهم لواجباتهم بعد تحديد تلك الواجبات؟

يجمع علماء السياسة على أن الظروف التي يوجد فيها الشعب لا تتيح لهم، حاليا حتى مشاركتهم في بناء حاضرهم بشكل سليم، وعلى فرض مشاركة بعضهم في بعض البلدان بصورة من الصور، في عملية بناء الدولة، فإنهم، بالرغم من ذلك، لا يتمكنون بمجرد مشاركتهم في ذلك، من وضع تلك النظرية، بصورة مستقلة، فهذه النظرية يجب أن تضعها قيادة فقهائية سياسية عليا ضمن منظور عام نظري وعملي لمختلف العوامل والظواهر على جميع الأصعدة الحيوية، وهذا ما تحقق الآن - فعلا - في حيز مؤلفات الإمام الشيرازي، لو أحسن الناس قراءتها، بحيث يتمهد للجميع طريق التقدم والخلاص من أوضاعهم المزرية الحالية.

كما أن الإمام الشيرازي يعمل، من جانب آخر على (تنمية) الفرد المسلم نفسه، ويفتح له الأبواب إلى ذرى الثقافة والعلم، ويدفعه إلى اكتساب خبرة إدارة الأنظمة الإدارية والمؤسسات الاجتماعية، والاستفادة من مرحلة التحديث إلى أقصى حد ممكن. وقد يفرض هذا التوجيه أعباءً إضافية على الأداء التغييري في مواجهة (المدخلات) مما يفرض، بدوره، على قوى التغيير ضرورة ممارسة واجباتها بعمل ذي توتر عال من استباق الزمن وإنجاز التحولات النوعية والكمية للحاق بركب المستقبل الذي لا يعترف إلا بالجادين، وذلك باعتبار ملاحظة البعد العالمي للنهضة الإسلامية والدولة التي تشيدها تلك النهضة.

ومع ذلك فإن كل هذا لا يعطي - في الواقع - لجميع أبناء المجتمع إمكانية صياغة نظرية سياسية، تتحرك بموجبها النهضة، فالمسلم هو أولا وأخيراً، فرد، هو جزء من كل، وعمله ليس عملا اسثنائيا ولا هو يمتاز بطبيعة خاصة، بل إن عمله يكمل عمل الآخرين في انتظام واندماج، بينما تحتاج النظرية إلى تفكير شمولي، يجمع بين الجزئيات، وصولاً إلى الكليات، ثم ينطلق من تلك الكليات ليعالج كل جزئية على حدة، ضمن إيقاع واحد؛ وقد تعرضنا لهذا في الدراسات السابقة.

إذن إن نهج الإمام الشيرازي الذي انبثق من المجتمع لتطويره وتنميته ووضعه في مصاف المجتمعات المتقدمة تقدما حقيقيا، بحسب ما يريده الله سبحانه وتعالى، ينظر إلى علاقة المسلم بالنظرية علاقه واقعية، بعيدة عن (الدراماتيكية). وبسبب ذلك أصبح في إمكان المسلم - وهنا يكمن جوهر القضية - امتلاك المقدمات الضرورية - بنتيجة المكانة التي يشغلها في حيزالحركة الاجتماعية - لكي يحقق إرادة الله، سبحانه وتعالى، في الحياة الحرة الكريمة، له كمواطن، ولجميع بناء المجتمع، وليساهم بفعالية خلاقة في التطور الحضاري الإنساني.

وهكذا فالنهضة التغييرية، هي نهضة شعبية عامة، وهي نهضة اجتماعية، بمعنى أنها ذات بعد اجتماعي بعيد عن طغيان النزعة الأنانية الفردية في أداء الوظائف العامة تجاه الآخرين، وكذا في ترسيخ العلاقات الاجتماعية، أسريا وعائليا، وترسيم علاقات الأخوة بين جميع أفراد وفئات المجتمع.

وبحسب رؤية الإمام الشيرازي يلعب الجميع - على تمايز نسبي - دور القوة الاجتماعية التي تنظم المسيرة، وتقود البلدان الإسلامية إلى أهداف النهضة. إن هذه القوة هي قاعدة النهضة، لا قيادتها العليا، ولا المنظرة لها، وهي بذلك قادرة في هذا العصر، حيث ينضج - وبشكل متسارع جدا - تتابع مراحل النهضة، وتتطور طرق أداء مؤسساتها، من التأثير الإيجابي الكبير في إنضاج العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية للمرحلة اللاحقة، ضمن تنفيذ نظرية النهضة التغييرية المستمرة.

لقد حظيت فكرة وحدة المجتمع المسلم، ووحدة الحكومة والشعب، واندماج المسلمين وانتظامهم في العمل النهضوي على تأييد تام، من قبل المسلمين مما سيساعد على رفع مستوى الإنجازات واختصار الزمن، وتقدم نظرية النهضة المستمرة ستلعب دوراً مهما جداً في تثبيت السلام الاجتماعي، ووحدة المجتمع المسلم، وتنقل توحد الحكومة والشعب إلى مستوى يترقى بانتظام، وبانسجام مع متطلبات كل مرحلة من مراحل الاستمرار.

كما أن هذه النظرية استطاعت - من ناحية أخرى - إثبات خطأ الماركسية في تقسيمها الطبقي للمجتمع، وذهابها إلى أن البروليتاريا فقط هي مادة التغيير (ينظر: ماركس وإنجز، المؤلفات 706/8). وهي تعني بالبروليتاريا العمال والشغيلة، ضمن نظرتها إلى الصراع الطبقي.

العمال والشغيلة في الإسلام، وبحسب تجسيدات كتابات الإمام الشيرازي، مثلهم مثل الحرفيين والفلاحين والصيادين، وكذا التجار والمسؤولين والموظفين، والشباب والطلاب، هم مكونات أساسية متوحدة في منظومة اجتماعية، وهي أبعد ما تكون عن الصراع، يظللها التعاون والسلام الاجتماعي، والعمل الإيجابي المتدفق نحو تحقيق نظرية النهضة واستمراريتها، وخلق الظروف المواتية للإبداع الذاتي، ومن ثم التنعم بالمنجزات.

ومن جهة أخرى، أثبتت نظرية النهضة التغييرية المستمرة التي ينادي بها الإمام الشيرازي، أن جميع الفئات المكونة للمجتمع الإسلامي يجب أن تستوعب القيم والمتطلبات النهضوية، وتلتحم بالنظام السياسي الإسلامي الحقيقي ومؤسساته، وبالنتيجة تصبح قوى اجتماعية منتجة ومستفيدة من إنتاجها، وبهذا تستمر في ممارسة عملها، وأداء وظائفها، متيحة للنظرية أن تأخذ مجالها الرحب في النجاح.

ويجب الانتباه إلى أن ازدياد الرفاه الاجتماعي، حين يكون موظفا - بدوره - لإنجاح المراحل اللاحقة من النهضة الإسلامية، ليس هو المرتكز الوحيد الذي يقرر نجاح نظرية النهضة التغييرية المستمرة. فهناك أيضا أتساع أفق التفكير العام، واستيعاب الانتقال الحضاري من الأوضاع المتردية حاليا إلى وضع متوهج تخلقه دولة الإسلام الواحدة، وتطور النشاط الاجتماعي، وغير ذلك.

واليوم، وبازدياد أعداد السكان، وأعداد المتعلمين، والمؤهلين مهنيا وثقافيا، وتصاعد الخط البياني للوعي الإسلامي، برغم كل الدعايات المناوئة فيجب النظر بجدية إلى ازدياد نسبة الفنيين والتقنيين والمثقفين الذين يندمجون في تنفيذ واجبات التوعية والعمل لصنع الغد الإسلامي المشرق. إن هؤلاء المندمجين الجدد، إن صح التعبير، بحاجة إلى التسريع في عملية دمجهم في المسيرة العامة للنهضة التغييرية، لأنهم وهذا أمر طبيعي - بحاجة إلى مرور وقت وتوفر خبرة خاصة ووعي ذي ملامح معينة لكي يستوعبوا الفكر السياسي، ونظريته في النهضة المستمرة تحديدا.

وربما كان هذا أحد أهم مسوغات الموقف النظري من الشهادات الأكاديمية، حيث أن هذه الشهادات التي تجعل في بلاد كثيرة في العالم النامي معيار التفاضل في الحصول على الوظائف العامة، ليس لها في الإسلام تلك المنزلة، بل يسبقها الإخلاص والنزاهة والانتظام في الإيقاع العام لحركة المجتمع الناهض، وكذلك الخبرة المكتسبة من الممارسة، إلى أن يستطيع هؤلاء استيعاب ما تفرضه المرحلة، وتدريجيا يتناغم عملهم مع عمل المجموع، ويعتمد هذا على مدى قدرتهم على الفرز بين ظروفهم الذاتية وطموحهم المصلحي الشخصي، ومتطلبات العمل؛ وبعبارة أخرى استعدادهم للتضحية وتنازلهم عما يكون لديهم من شعور بالاستعلاء والتفوق بسبب الشهادات التي يحملونها.

في كل عام هناك مندمجون جدد ومنتمون جدد للإسلام، وفي كل مرحلة من مراحل النهضة هناك من يلتحق بركب النهضة الإسلامية الحقيقية، كعامل مؤثر فيها. وعلى هؤلاء جميعا أن يفهموا أنهم في خدمة الإسلام.

وكلما أسرع هؤلاء في تطوير ذواتهم وإغنائها بمنظومة قيم النهضة، استطاعوا الاندماج مع المسيرة والتمتع بنتائج عملهم أسرع وأسرع. وهذا يؤدي إلى تلازم العلاقات، الوظيفية بمتابعة الطموح، وتحقيق المشاريع المرحلية، وفق ما تستدعيه نظرية النهضة المستمرة.

إن كل واحد من هؤلاء هو جزء من الشعب، وعليه أن يحتفظ بولائه لاختيارات الشعب، ضمن شعوره العام بأنه مبدع مستقل، وفنان حر، يتعالى فوق الولاءات الجانبية، والأنانيات أو ظروفه الذاتية.

ولقد أثبتت التجارب التاريخية، إمكانية انتقال المثقفين وحملة الشهادات الأكاديمية، من حدود الذات الضيقة، إلى رحاب الإنتاج الاجتماعي العام. فإن الحاجة المتزايدة إلى عدد كبير من الاختصاصيين ذوي التأهيل المتوسط والعالي، قد أدت إلى زيادة في أعداد المتعلمين والمثقفين، الذين اندمج قسم منهم، طواعية، في صفوف العمل التغييري، وأصبحوا كوادر منتجة ماديا، من غير تمايز فئوي بينهم وبين سائر القوى الاجتماعية الفاعلة.

ونظراً لأن التعليم في الإسلام لم يكن الهدف منه مجرد التعليم، كما سبق أن أشرنا، فإن حملة الشهادات المتوسطة والعالية من خريجي المؤسسات الثقافية والتعليمية، والمحلية بما فيها الجامعة، عليهم واجب تاريخي للمشاركة في مسيرة التغيير النهضوي باتجاه تكوين دولة الإسلام بشكل طبيعي جدا، لأنهم - أساسا - عاشوا إرهاصاتها وتكوناتها واستمراريتها، عبر الفكر السياسي الإسلامي المستنير الذي تمثله آراء الإمام الشيرازي.

كما أن هذا التعليم بتلك الهدفية يجعل الطلاب أنفسهم يساهمون مساهمة نشيطة في نمو العمل التغييري، لا بحسب ما سيحصلون عليه من علوم ومعارف فقط، ولكن أيضا بمساهمتهم الفعلية في أنشطة عملية، يكتسبون منها خبرة مهنية ضرورية، كالزراعة والتشجير، ومكافحة الأمراض ومحاربة الأمية، ودخول بعضهم في الإدارة والوظائف العامة؛ حتى أنه ليمكن القول أن الطلاب، والشبيبة الإسلامية بشكل أعم، لا يقفون بعيداً عن حركة التغيير الهادفة إلى تأسيس دولة الإسلام من جديد.

إن نظرية النهضة المستمرة، تستدعي تزايد أعداد الطلاب، وترقية مستوى الشبيبة الإسلامية، بتصاعد متناسب مع تطورات العمل التغييري ذاته، وملاحقة المجتمع وطموحاته.

إن تغير مكانة المثقفين والطلاب والشبيبة عامة، في المجتمع المسلم، يؤدي إلى اتساع صفوفهم، وجعلهم أقدر على الاندماج والانتظام في حركة المجتمع، كما يساعدهم على التخلص من ظروفهم الذاتية، إلى حد كبير.

وقد أصبحت هذه الشريحة الاجتماعية، جزءا لا يتجزأ من النسيج العام للمجتمع، مطمئنة إلى غد مشرق تساهم هي مساهمة كبيرة في الوصول إليه.

لقد أسفر انتشار رؤى الإمام الشيرازي، عن تطوير هذه الشريحة على درجة أن أخذ المثقفون والطلاب والشبيبة يدركون ضرورة التزامهم بأخلاقيات النهضة الإسلامية، ومواكبة مراحل التطور المتلاحقة للعمل النهضوي والتغييري، كما أصبحوا يلعبون دوراً كبيراً في اختصار الزمن، جنبا إلى جنب مع سائر الفئات والقطاعات الاجتماعية الأخرى.

ولا يمكن إغفال دور المناهج والعلوم التي يحملها المثقفون أو يحصل عليها الطلاب، في تنميتهم أو تأخيرهم، ويعتمد ذلك بالدرجة الأولى على توعيتهم بحقيقة مرامي تلك المناهج، ليساعدهم ذلك في تخليق حالات التطور الذاتي؛ علماً أن تلك المناهج والعلوم والنشاطات، في الدولة الإسلامية يجب أن تكون منبثقة من (الأساس المقدس) نفسه، وما يتلاءم مع احتياجات البلاد، تلك الاحتياجات التي حددها الإمام الشيرازي، على ما سبق استعراضه، وما سيأتي في دراسات لاحقة، إن شاء الله.

 

* أستاذ الاجتماع في جامعة (سيسكس) البريطانية

 

   

أعلى