الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة للرأي والرأي الآخر. المقالات الواردة فيها لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر (المنبر)

من أسس الثقافة الولائية | فاطمة (ع) المحور والمدرسة .. | راقصات رساليات | كيف نشكل بيئتنا الاجتماعية.. | لولا رسول الله (ص) لما خلق..

من أسس الثقافة الولائية   أعلى

 

بقلم: محمود الموسوي

الولاية.. والولاء.. وطريق تجسيدها في سلوك حضاري أصيل، وبلورتها كقيمة ثقافية تنبض بالحياة على أساس سليم.. هي مهمة هذا المقال الموجز.

(1) معرفة الولاية.

إن عنوان الولاية عرض يتسع بالنظر إليه في أفق العقيدة الإسلامية إلى معنونات عديدة، حسب ما يسند إليه، كولاية الله رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وولاية أهل البيت عليهم السلام، وما إلى ذلك.

والولاية التي نرومها هاهنا هي ولاية أهل البيت عليهم السلام التي تستمد شرعيتها من الفيوضات الإلهية والألطاف الربانية، حيث قال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

وقد نادت الأحاديث وتوالت التأكيدات من رسول الله وأهل بيته على الولاية حتى جاء في الحديث تقريراً لتلك الحقيقة: (لم يناد بشيء مثلما نودي بالولاية)، مما يوضح بجلاء أهميتها في نهج حياة الإنسان، لأنها تمثل الجانب القيادي في الحياة، فالولي هو قائد الإنسان إلى ما يرضي رب العالمين في سبيل قويم، وتنطلق قيمة الولاية في خطين لتشكيل نهج الإنسان..

الخط الأول: يرتبط بالجانب العقائدي الفكري للإنسان، الذي يجعله يبصر الكون والحياة بمنظور الولاية الكونية، الاعتقادية، مع التوحيد والعدل والنبوة صفاً صفاً، وإن كانت أنزل منها في رتبة. الخط الثاني: هو خط تفعيل هذا الإيمان إلى سلوك ونهج حياتي يستنير به الإنسان في عصور الظلمات بالامتثال لما بلغوا به عليهم السلام من بصائر وهدى.. قال تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، ولذا فهي تصنف من هذه الجهة ضمن الفروع الدينية مع الصلاة والصيام والحج والزكاة، ففي الحديث عن أبي جعفر (ع): (بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية).

والجانبان مرتبطان مع بعضهما بعضا في تفاعلاتهما في تكوين الإنسان وفي نهجه، كل يؤثر في الآخر وجوداً وعدما، انحرافاً واستقامة.. فإن الامتثال الفعلي الذي يترجم في واقع الحياة، استل مصداقيته وصفة الإلزام فيه من الجانب العقائدي المعرفي الذي آمن به من خلال إيمانه بأهل البيت عليهم السلام أولياءً فوالاهم.. فقد جاء عن أبي جعفر (ع) قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى الطاعة للإمام بعد معرفته..) و ذلك الامتثال لا ينفع الناس إلا بالولاية، إذ هي شرط من شروط قبوله. ففي الحديث عن الصادق (ع): (أثافي الإسلام ثلاث: الصلاة والزكاة والولاية، لا تصح واحدة منها إلا بصاحبتها).

وقد قال الإمام الرضا عن قول الرسول (ص): (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا... ولكن بشرطها وشروطها وأنا من شروطها).

فإذا أجهد الإنسان كل أعضائه بالعبادات والطاعات ولم يؤمن بالولاية لأهل البيت (عليهم السلام) فستذهب كل أفعاله جُفاءً كالزبد.

(2) بصائر الغيب.

تواجه الإنسان المؤمن في تكوين ثقافته الولائية كثير من المفاهيم والظواهر والصفات التي يتمتع بها أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، كاصطفائهم الإلهي وعلمهم اللدني وخلقهم الأول وولايتهم التشريعية والتكوينية وجميع صفاتهم الكمالية التي أفاضها الله عليهم واستحصلوها من ذوبانهم في الله تعالى.

فهذه الخطوة الرئيسية في معرفة الولاية واستيعابها إنما يصعبُ الإيمان بها على الإنسان الذي لا ينتهج نهج السماء في تفسير الظاهر وتشكيل الأفكار، إذ أن المنهجية التي يتبعها الآخرون ممن لا يؤمنون بالله ولا يؤمنون بالغيب ككاشف للحقائق، ويعتمدون في بلورة ثقافتهم على التفسيرات المادية البحتة، والممارسات التجريبية التي تجعل الفكر معتمداً على اجتهادات إنسانية خالصة عادة ما تبوء بالفشل وتقع في وحل الخطأ.

لكن الإنسان المؤمن هو الذي يربط الظواهر الحياتية بالغيب، ويضع في حسابات التفكير لديه قدرة الله وفيوضاته على أوليائه إذا أراد أن يبلور في عقله ثقافة ولائية ناضجة. فعن صفات المؤمنين يبلغنا الله عز وجل أن أولها (الإيمان بالغيب) ثم يرتب على ذلك أفعاله وسلوكه النابعة من ثـقافية، يقول تعالى: (ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون). فمن شروط النظر لمعرفة أهل البيت وولايتهم عليهم السلام هوأن نعقل العقل بعقال الغيب لكي لا يشط ويزل وينبغي أن لا نتعجل الحكم ونتسرع بالنتائج. هذه الحقيقة نجدها ما ثلة أمامنا بوضوح في مسألة مشابهة تماماً لما نحن بصدده، مثلا جليا في القرآن الكريم عندما اصطفى الله تعالى مريم ابنة عمران على العالمين، وأعطاها ما أعطاها من صفات قد لا يدركها من لا يؤمن بالغيب، يقول تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين. ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يختصمون).

فالصفات التي اكتسبتها مريم العذراء (عليها السلام) وهي التي تشكل ثقافتنا فيها وفي أولياء الله، هي الاصطفاء الإلهي.. والتطهير.. والتفضيل على نساء العالمين.. هذه الثقافة تدعو للسلوك العبادي، فأمرها الله بالقنوت والسجود والركوع مع الراكعين.. ثم تنبئنا الآيات بأن هذه الثقافة والسلوك إنما هي من أنباء الغيب إذ أننا لم نتحصل على علوم الأولين ولم ندرك الألطاف الإلهية إلا عند ما يخبرنا عنها العالم بالغيب فما كنا لديهم إذ يختصمون.

(3) التقوى وعاء الولاية.

لأن في الثـفافة الولائية عمقاً غائراً وشموخاً يناطح السحاب، أصلها ثابت وفرعها في السماء، بل وفيها بصائر عريضة ومقامات متدرجة وأبعد من أن يدركها عقلنا المحدود ذلك.. كلام كبير وإدراكه أكبر، ففي الحديث عن أهل البيت (عليهم السلام): (أمرنا صعب مستصعب).

هذا هو أمر أهل البيت وولايتهم التي نسعى لتشكيلها في وعينا، فكيف يصل الإنسان لمعرفة الولاية ويصدق بنتائحها التي عبروا عنها عليهم السلام بأنها صعبة مستصعبة.

لابد للإنسان المؤمن ليصل للمعرفة الولائية ويتنقل في درجاتها صعوداً معرفيا وإيمانيا من أن يعمل على نفسه أولا، لأن النفس هي المنطقة التي تتحرك فيها عملية الرضا والقبول والرفض والصد للنتائج.. فإنها تحتاج إلى تهذيب وتمرين يمكنها من التسليم لنتائج الغيب وبصائر الوحي. فإن الله عز وجل عندما ألقى الرسالة على رسولنا الكريم ليتحمل صعوباتها التي لا تضاهيها صعوبات، قد أمره بالتسبيح، وهو فعل تقوم به النفس لتنزيه الساحة الربانية عن مواصفات المخلوقين.. ثم أقرأه الرسالة، قال تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى. والذي أخرج المرعى. فجعله غثاءً أحوى. سنقرئك فلا تنسى).

وحتى تصل النفس إلى تلك الدرجة الحساسة وهي درجة الرضى بالنتائج، تحتاج إلى أن تسير في خطين متعاكسين ومتكاملين:

الخط الأول: كبح جماح الهوى وعدم اللهث وراء الشهوات الدنيوية سواء شهوات البدن أم شهوات النفس، يقول تعالى عن بلعم ابن باعوراء وهو الذي وصل مواصيل عالية من الإيمان حتى أعطاه الله اسمه الأعظم: (واتل عليهم نبا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه)، فكانت لديه فرصة أن يرفعه الله إلا أن اتباع الهوى حال دون ذلك. وذلك لأنه يشوب النفس شوائب تجعلها لا تدرك الحقائق ولا تذعن للحق، بل إن الهوى كما جاء في الروايات عن الإمام على (ع): (الهوى عدو العقل) وأنه (.. هوي إلى أسفل سافلين).

الخط الثاني؛ الدخول في حالة التقوى، فمخالفة الهوى هو أمر ممهد إلى أن يكون الإنسان متقياً لله تعالى، حيث يسلم بما جاءه من حقائق وأفكار إذا كان مصدرها الله عز وجل، لتجعل عقل المؤمن وقلبه وعاءً للثقافة الولائية يستقبلها العقل برضى النفس واطمئنانها، يقول تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). فالإنسان الذي يسلم لله طائعا سوف يؤدي صلاته على النبي امتثالا لأمر الله، وفي قوله تعالى: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، إذ لابد من تقوى الله حتى يكون الإنسان مع الصادقين اتباعا ونهجاً. يحدثنا الإمام أبو جعفر (ع) عن هذه الآية عند ما سأله عنها أحد أصحابه فقال: (إيانا عنى).

فالصادقون أهل بيت النبوة، ولابد لأنفسنا أن تتحلى بالتقوى لتكون لمعرفتهم خير وعاء.

(4) التبرّي وجلاء الولاية.

لكي نصل إلى ثقافة ولائية نقيّة من أي شوائب قد تشوبها، علينا أن نحافظ على مستوى رغبتنا في تحقيق هذا الهدف، فإننا بمعرفتنا للولاية وأهميتها في حياة الإنسان قد اعتبرناها ضروريا من ضروريات الدين والحياة.. وعندما تجلب الولاية في أهل البيت عليهم السلام فإن قلوبنا قطعا ستتعلق بهم حبا وستحيط بهم ولاء.

ولكن هذا الحب لابد أن تصاحبه معرفة حقيقية بهم عليهم السلام ليكون حبًا صادقاً يسير في طريق الحق ونحو الحق.

ومن النتائج التي تنتهي إليها حقائق الولاية هي البراءة من أعداء الولاية والبغض لهم، كنتيجة طبيعية نابعة من المضمون المفهومي للولاية والتولي للحق ولمن تمثل في الحق. ولكن هذه النتيجة تعد أيضا أساسا من أسس الثقافة الولائية الصحيحة، فهي أول النتائج المستخلصة من مسألة الولاية، وتساهم بعد ذلك في عملية استخلاص الحقائق الناصعة، وفي القبول النفسي لها.

إن الله سبحانه وتعالى يقول: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى). فللوصول إلى التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، لابد من شرطين هما الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. والإيمان بالله هو الاتجاه الإيجابي الذي يسعى إليه الإنسان، أما الكفر فهو الاتجاه السلبي الذي يتحاشاه، وموقعه في طريق الوصول للحقائق هو التباعد التام عن أي شائبة أو ظلمة للوصول إلى نور الحق.

وفي تجسيد البراءة من أعداء الله والرسول والأولياء في موضوع الولاية، ينبغي أن يزيل المؤمن من قلبه أي ذرّة حب يحتفظ بها لمن يعادون الله والرسول والأولياء، لأنه إن بقي شيء من الحب لأعداء الله في قلب المؤمن فسيكون ذلك حائلا بينه وبين معرفة الولاية، والإيمان بها.

ولذلك نرى في الكثير من الأدعية والزيارات موضوع التولي لأولياء الله والتبري من أعدائه يشكل ركيزة أساسية وبعداً هاما في علامة المؤمن، جاء في زيارة للإمام الحسين (عليهم السلام): (اللهم إني أشهد بالولاية لمن واليت ووالت رسلك، وأشهد بالبراءة ممن تبرأت منه وبرئت منه رسلك).

فأعداء الله والرسول والأولياء لا يتمنون الولاية إلا لأنفسهم ويسعون جاهدين لكسب الآراء لصالحهم، فإنه لن يسعى للوصول إلى حقائق ولائية تنافي مصلحة أولئك الأعداء، وسيعمى قلبه، ويتذرع بالتبريرات والتأويلات لمجانبة، الحق: وقد أفتى الفقهاء بوجوب مولاة الله والأنبياء والأئمة وأولياء الله، وأوجبوا أيضا معاداة أعدائهم.

(5) إنا كفيناك المستهزئين.

في حركة الفكر في ساحة المجتمعات، تنقسم الأحكام التي تعبر عن الثقافة الإسلامية إلى قسمين، قسم متغيّر، يتغير وفق المجتمع الذي تخاطبه، لتلائم بيئته وتتناسب مع أفراده، وقسم ثابت لا يتغير، يبقي ثابتا في كل المجتمعات البشريةعرضا مكانيا، وطولا زمنياً، والثقافة الولائية كقيمة ومضمون ومعتقد، إنما هي من القيم الثابته، أي لا يجب أن تتغير إذ تبدّل المجتمع.

والفرد الذي يريد الوصول إلى ثقافة ولائية سليمة ينبغي أن يعي هذه الحقيقة لكي لا تؤثر في عملية تفكيره البيئة التي يعيش فيها، فيصل إلى نتائج خاطئة أو أنه لا يستوعب النتائج الحقيقية فيرفضها.. فمن الثابت أن الفرد يتأثر فكريا بالمحيط الذي يعيش فيه، فتراه يؤمن بما يؤمنون ويكفر بما يكفرون.

فنظرية (التوافق الاجتماعي) في المنطق والاجتماع تؤكد تأثير ثلاث حالات على الفرد فكريا، أولها الحشد، وثانيها الانتماء، وثالثها البيئة. (أنظر: المنطق الإسلامي أصوله ومناهجه للمدرسي). ومن هنا يأتي دور من يقصد الوصول للحقائق دون تأثير من هذه الجهات في ثقافته في عزل العملية الفكرية والتفكيرية عن إيمان من حوله من الناس، ممن يساهمون في تضمينه افكاراً لا تحمل البرهان.

يقول تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين). هذه الحقيقة هامة جداً، لأن كل القوى والحضارات المناوئة للإسلام، ولمبدأ الولاية تحشد الآراء والأبواق في كل وسائل الإعلام، لإشاعة رأي يطعن في الولاية والسلوك الولائي، ولم يكن هذا التصرف وليد اليوم، بل اتبع هذا الأسلوب في حقب كثيرة من التاريخ الإسلامي..

فلا يجب أن نغفل الحقيقة القرآنية القائلة: (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون). وأن نقصد رضا الله عنا لا رضا الناس وإعجابهم، يقول الرسول (ص): (من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله كان حامده من الناس ذاماً، ومن آثر طاعة الله بغضب الناس كفاه الله عداوة كل عدو وحسد كل حاسد، وبغي كل باغ وكان الله عز وجل له ناصراً وظهيراً).

 

   

فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) المحور والمدرسة.. بين النبوة والإمامة   أعلى

 

بقلم: الشيخ كمال معاش*

الحديث عن فاطمة ذوشجون، فاطمة وما أدراك ما فاطمة! بضعة النبي (ص) وزوجة وصي رسول الله صلوات الله عليه علي بن أبي طالب وأم السبطين الحسن والحسين عليهما السلام، سيدي شباب أهل الجنة، فأصبحت محور النبوة والإمامة لأنها حلقة وصل بين رسول الله (ص) والأئمة الاثني عشر (عليهم السلام). ومن جانب آخر قطب رحى الكون كما جاء في حديث الإمام جعفر الصادق إمام المذاهب الإسلامية قاطبة وسادس أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) قال: (هي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى).

وفي الحديث القدسي قال الله تعالى لرسوله (ص): (يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك ولولا علي لما خلقتك ولولا فاطمة لما خلقتكما).

هذا الحديث يدل دلالة واضحة على عظمة أهل البيت (عليهم السلام) وهم العلة الغائية للتكوين. وفي حديث الكساء قال الله تعالى: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي، إني ما خلقت سماء مبنية ولا أرضا مدحية ولا قمرا منيرا ولا شمسا مضيئة ولا فلكا يدور ولا بحرا يجري ولا فلكا يسري إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء فقال الأمين جبرائيل يا رب ومن هم تحت الكساء قال: أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها). فإنهم أساس خلق الكون وفي الحديث: (فلولاهم لساخت الأرض بأهلها).

ولهم الولاية التكوينية والتشريعية بمعنى أن زمام العالم بأيديهم عليهم السلام. وحديث: (لولا علي لما خلقتك) بمعنى أن الإمامة المتجسدة في أمير المؤمنين (ع) هي الامتداد الطبيعي للنبوة، حلقة الوصل بين النبوة والإمامة جعلت في أمير المؤمنين (ع) المحقق للغرض وخلق الرسول (ص)، وبعبارة أخرى لولا وجود أمير المؤمنين (ع) لذهبت جهود الرسول الأعظم (ص) في نشر الرسالة سدى ولرجع الناس إلى الجاهلية الأولى.

(ولولا فاطمة لما خلقتكما) وهذا دليل واضح على دور السيدة فاطمة (عليها السلام) في ترسيخ معالم الدين وتثبيت أركانه ولكونها سر الإمامة ومحور خلق الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ولأن تعظيم مقام الزهراء سلام الله عليها تعظيم لمقام النبوة والإمامة حيث كان لها عليها السلام الدور المكمل والمتمم في بناء المجتمع الإسلامي والحفاظ على بقاء الإسلام، و من جهة أخرى إذ لولا فاطمة لما خلق الأئمة (عليهم السلام) من ذرية رسول الله (ص) في هذا العالم وعدم وجود الأئمة يعني إبطال الغرض من وجود النبي وإبطال وجود الإسلام معاً.

والسيدة فاطمة (عليها السلام) مدرسة سماوية إلهية في مختلف أبعاد حياة الإنسان فهي مدرسة في العفة والشرف والزهد والتقوى والإنسانية. وإذا تحدثنا عن عباداتها (عليها السلام) فنقول كانت مثالاً رائعا في عبادتها لله تعالى بإخلاص وإيمان حتى قال ولدها الإمام الحسن المجتبى (ع): (رأيت أمي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعولنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني الجارثم الدار)!

امرأة هذا مقامها لابد أن تكون هي الضحية الأولى للحفاظ على قدسية النبوة والإمامة وهي أول امرأة في عالم الكون دافعت عن الشريعة الإلهية التي نزلت على أبيها رسول الله (ص) في التحريف وخطبتها كشفت قناع القوم فظهرت مؤامراتهم على الإسلام والقرآن. وبخطبتها مزقت كل المؤامرات التي حيكت في حياة النبي (ص) ونفذت بعد رحيله (ص). ومن خطبتها (عليها السلام) التي فضحت القوم لما ارتكبوه من فضائح يندى لها جبين الإنسانية بمسجد النبي (ص) لمّا منعوها فدكاً وبلغها ذلك لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (ص) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة فجلست ثم أنّت أنّه أجهش القوم لها بالبكاء فارتج المجلس.. ثم قالت: (أيها الناس اعلموا أني فاطمة وأبي محمد أقول عوداً وبدءاً ولا أقول ما أقول غلطاً ولا أفعل ما أفعل شططا (...) يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئا فرياَ! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وورث سليمان داود) وقال في ما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) وقال تعالى (وأولوا الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقال تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين). وقال تعالى: (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين).

وزعمتم ان لا حظوة لي ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟! أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد (ص) والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ولا ينفعكم إذ تندمون ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم)!

فالسيدة فاطمة (عليها السلام) أول من دافعت عن النبوة والرسالة والإمامة في تاريخ الإسلام فخطبتها دليل على مقامها الرفيع وشجاعتها حين أقدم القوم على الانقلاب عن الدين وضرب دعائم الإسلام لقوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا).

وعن ابن عباس قال: (كان علي يقول في حياة رسول الله (ص) أن الله يقول: أفئن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارث علمه فمن أحق به مني؟!).

وأدعو كل الأقلام الحرة أن ينذروا أنفسهم في دفاعهم عن عظمة آل بيت الرسول (ص) بالأخص سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وذلك لوجود أقلام مسمومة نالت من سيدة نساء الكون فاطمة الزهراء (عليها السلام) حيث أنكروا مظلوميتها بحجة أنهم لا يتفاعلون مع روايات سقوط الجنين وكسر ضلعها (عليها السلام)، آلا تستحي تلك الأقلام المسمومة التي نالت من قداسة آل بيت النبي (ص) حيث داست بعقلها تاريخ الإسلام خلال 14 قرنا وأدارت ظهرها لرجال العلم والفقه والدين والتحقيق؟!

ولأن مظلوميتها هي بعينها مظلومية بعلها الإمام أمير المؤمنين (ع) وولديها الحسن والحسين عليهما السلام، فيلزم علينا أن ننصب في كل مدينة وفي كل قرية منبراً فاطميا، إذ لولا نشر مظلومية الزهراء لما وصل الإسلام إلينا. وما بقي للدين من أثر. فكل ما عندنا من إسلام ومسلمين هي ببركات فاطمة سلام اله عليها لمكانتها عند الله وعند الملائكة والأنبياء وخاتم الأنبياء محمد (ص) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام). وكان الرسول الأكرم (ص) يجللها ويعظمها حتى كان يقول (ص) في حقها: (فداها أبوها)! وكان (ص) يقبل يديها وكان يقول: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني).

حتى أنه ما كان يدخل بيتها حتى يستأذن. أسفي عليك يا رسول كيف هجم القوم على دارها!

وذكر المسعودي في تاريخه مروج الذهب وفي كتابه إثبات الوصية: (فهجموا عليه (ع) وأحرقوا بابه، واستخرجوه كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا)!!

وذكر أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ج 1 ص 57 وقال النظام: (إن عمر ضرب فاطمة يوم البيعة) حتى ألقت الجنين من بطنها. وكان يصيح - عمر -: أحرقوا دارها بمن فيها وماكان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام!

وفي العقد الفريد ج 2 ص 250 وتاريخ أبي الفداء ج 1 ص 156 وغيره: (بعث إليهم أبوبكر عمر بن الخطاب وقال له: فإن أبوا فقاتلهم. وأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت: يابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة)!

وفي تاريخ الطبري ج 3 ص 198 والإمامة والسياسة ج 1 ص 13 وشرح ابن أبي الحديد ج 1 ص 134: (دعا بالحطب وقال: والله لنحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها فيقال لعمر: إن فيها فاطمة! فيقول: وإن)!!

وذكر ابن قتيبة وهو من أعلام القرن الثالث الهجري: (وإن أبابكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعة عند علي (كرم الله وجهه) فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو أحرقنها على من فيهاَ فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة! قال: وإن)؟!

ويقول حافظ إبراهيم شاعر النيل في قصيدته العمرية:

وقــــولة لعــــلي قـــالها عـــــمر        أكـــرم بـــسامعها أعظــم بملقيها

حـــرّقت دارك لا أبقــي عليك بها        إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ماكان غيــر أبي حفص يفوه بها        أمام فـــارس عـــدنان وحــاميها!

وراحت فاطمة (عليها السلام) تقترب من ناحية قبر أبيها تشتكي مما ألم بها بصوت حزين، تناديه باكية: (يا أبت يا رسول الله... ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة)!!

وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 14 ص 193 عن النقيب أبي جعفر: (إذا كان رسول الله (ص) أباح دم هبّار، بن ألأسود لأنه روّع زينب فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنه لوكان حياً لأباح دم من روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها).

طالما كان رسول الله (ص) لا يفارق باب علي وفاطمة عليهما السلام في حضوره وعند سفره حتى قال ابن عمر: (إن النبي (ص) كان إذا سافر كان آخر الناس عهداً به فاطمة، وإذا قدم من سفر كان أول الناس به عهداً فاطمة) عليها السلام.

فيلزم علينا أن نعيش منهجية وأخلاق وآداب سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) باعتبارها مدرسة تربوية لنا في مدرسة رسول الله (ص) وأمير المؤمنين ومدرسة الأئمة المعصومين عليهم السلام وهي قدوة وأسوة لنا لأنها بضعة النبي (ص) بضعته النبوية في كل شمائله وصفاته لأنها تحكي أخلاقه.

فسلام عليك يا سيدة نساء الكون في العالمين من الأولين والآخرين وصلى الله عليك يا سيدتي يا فاطمة الزهراء (عليها السلام) وعلى أبيك وبعلك وأولادك المعصومين الطاهرين.

 

* خطيب وناشط تبليغي

 

   

راقصات رساليات   أعلى

 

*بقلم: فهيمة العيد

ممارسة المرأة لفنون الغواية والإثارة الجسدية، وعلى محضر من الرجال هو بلاشك محرم في الإسلام.

فالرقص عمل جاهلي أبطله الإسلام، وهو ركن من أركان الحضارات المخالفة له كالرومانية والفارسية وامتداداتهما الحالية في الحضارة بشقيها الغربي والشرقي، بل يعتبر جزءاً أصيلاً من تكوين ثقافتهم القائمة أساساً على المادية والشهوانية والحسية.

إن في مجتمعاتنا من يحاول الجمع بين الدين والفن الهابط، فعندما تموت راقصة، نجد أقلاماً تصفها بأنها (جزء من نهضة ثقافية أساسية وحركة إحياء وطني للفنون)! وآخر يكتب: (إن الرقص عندها أقرب إلى العبادة منه إلى الخلاعة)!... ولا ندري ماذا ترك الكاتب للطاهرات والعفيفات؟!!

المشكلة أن الراقصة لا تكتفي بتلميع وسائل الإعلام لها وتقديرها، بل ترسم لنفسها رسالة تكافح من أجلها، فـ (آندي هيكس) مؤسسة مدرسة الرقص الكويتية كافحت لمدةٍ 25 عاما لتأسيس هذه المدرسة دون تذمر، وهي تخرج أجيالاً من الراقصات منذ العام 1974 م!

وتطالعنا الصحف بتصريح لإحدى الراقصات في أنها تسعى لتأسيس نقابة من أجل للدفاع عن حقوقهن، بل هي تفكر بإنشاء مدرسة للرقص.

طموح.. وجد ومثابرة من قبل راقصات، بينما المؤمنات العفيفات يحصرن أنفسهن وطاقاتهن في إدارة المنزل ورعاية الأسرة والواقع أن طاقاتهن هي أكبر من ذلك رغم أهميته، وإن كان لديها طموح لا تسمح لطموحها تجاوز حدود العمل الخيري المحلي، أما مجال حاجات المجتمع المرتبطة بالمرأة، والتي لا يستطيع الرجل أن يحل محلها فلا نكاد نجدها، وإذا تخطينا حق المرأة في الترشيح والانتخاب السياسي، فإن هناك عدة قضايا إنسانية بانتظار أن تخوض المرأة غمارها المؤمنة، فقاضايا الفقر والأمية، والأمراض، والعنف ضد المرأة والطفل قضايا ملحّة، ومما يزيد في إلحاحها، تلك الإحصائيات والأرقام المفزعة، فهناك 84 مليون جائع في العالم و 1.2 مليون يعيشون بأقل من دولار في اليوم. و 1.2 مليون امرأة وفتاة دون سن الـ 18 يجري الاتجار بهن على نطاق العالم كل عام لأغراض البغاء، وتبلغ حجم أرباح تجارة الرقيق (بيع النساء والأطفال) 9 مليارات دولار سنويا. ويبلغ عدد الأميين في العالم سنة 2000 حوالي 850 مليون نسمة أي نحو 14% من سكان الأرض، وهناك 50 مليون حالة إجهاض تجري سنوياً في العالم. و 16 ألف شخص يصاب بالإيدز يوميا و... و ... هذه الأرقام تحتم على المرأة أن تمارس دورها، وكما هو واضح أن عمل المرأة في تلك المجالات ليس بالأمر السهل، فهي تحتاج إلى جدّ ومثابرة وإصرار من طرفها، وإلى تشجيع الرجل ومعاونته وإلى مساندة المجتمع.. حتى لا يظل الباطل في الصفوف الأمامية، والحق في الصفوف الخلفية.

 

* ناشطة إسلامية كويتية

 

   

كيف نشكل بيئتنا الاجتماعية ونحافظ عليها؟   أعلى

 

بقلم: وداد موسى الشمس*

نتكلم كثيراً في البيئة والمحافظة عليها. وهي في الواقع نوعان من البيئة فهي:

1- بيئة طبيعية. 2- بيئة اجتماعية. ونود أن نفرق بين هاتين البيئتين.

أما الأولى: البيئة الطبيعية؛ فما هي البيئة الطبيعية؟ هي كل ما يحيط الإنسان من طبيعة كالأرض والسماء والماء فإننا نرى أن الإنسان يختلف عن أخيه الإنسان باختلاف بيئته الطبيعية بينهما.

ما معنى تلوث البيئة الطبيعية؟ فإننا نجد أن البيئة الطبيعية تتلوث بتلك الحضارة والتقدم وهذه الحضارة هي ضريبة التقدم التي تدفعها البيئة. فإننا نرى عادم السيارة والطائرة والحيوان والنبات والإنسان وذلك ما يؤثر في هذا العصر على هذه البيئة الطبيعية.

أما البيئة الاجتماعية فما هي؟ إنها تلك الحدود الاجتماعية التي يفرضها المجتمع على الفرد وتلك الظروف الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية:

1-الفرد.

2 - الأسرة.

3- المجتمع.

وما يحيطه من تلك المؤسسات الاجتماعية التي تعرف بالبيئة الاجتماعية.

فهل نستطيع أن نقول إن هذه البيئة تتلوث؟ وكيف تتلوث؟ وكيف نعالج هذا التلوث؟

فمثلا الفرد عندما يكون جنيناً في بطن أمه أو نقول في رحمها فإنه يعيش بيئة طبيعية وبيئة اجتماعية فإنه يتأثر بالحالة الصحية لأمه أثناء الحمل فهو يمرض إذا مرضت ويجوع كما تجوع ويحس بالألم كما تتألم.

وكذلك يتأثر بالبيئة الاجتماعية للأم فمثلاً يتأثر بالحالة النفسية للأم ويتأثر بحالتها هل هي سعيدة أو غير سعيدة، هل تريد الجنين أولا تريده.

كل ذلك يؤثر على الجنين وهو في رحم أمه، ويعيش الشهور التسعة وهو في رحم أمه إلى أن يولد.

وبعد الولادة بلحظات تسمعه يبكي لماذا؟ إنها الخبرة الأولى له في حياته الجديدة فإن دخول الهواء إلى رئتيه أول مرة خبرة مؤلمة فهي مادة غريبة على عالمه الذي كان فيه قبل الولادة.

فهي تعتبر أول تجربة سيئة له في الدنيا فلذلك نراه منذ هذه اللحظة وهو يبدأ بالتعايش سلماً مع بيئته الجديدة حتى لا يتألم ويعيش بسعادة.

أما البيئة الاجتماعية فما هي أول خبرة له معها؟ هل هي فرحة الأهل؟ أو حزنهم فهو يتألم مع هذه البيئة منذ اللحظة الأولى وهي تختلف من طفل إلى آخر.

فإن لنا عادة جميلة عند ولادة الطفل أن نؤذن ونقيم في أذن الطفل. فإن أول اسم يستمع إليه الطفل هو اسم الله سبحانه وتعالى. نسأل هنا كيف تتلوث بيئة الإنسان الاجتماعي؟

ونركز على البيئة الاجتماعية لأنها مهمة جداً في حياة الفرد، فإن رسولنا الكريم (ص) يقول: (أبواه يهودانه أو ينصرانه) فهي تعني لنا الكثير عن البيئة الاجتماعية.

لماذا تغير الإنسان عبر التاريخ وكيف تعايش مع البيئة الاجتماعية؟ ولماذا يختلف الإنسان الآن عن الإنسان القديم؟

نستطيع أن نقول بأن الإنسان في تلك العصور كان بسيطا لا يريد أكثر من أن يأكل وينام ويشرب ويفرح. وعمل جهده كي يعيش بسعادة فلذلك نعتبر أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل والأنبياء كي يحقق هذه السعادة في تلك الحياة البسيطة.

إلا أن الإنسان عقد حياته بيده لأن متطلباته في تلك العصور مرتبطة مع متطلباته في هذا العصر.

حيث كان الإنسان يسعى ليحقق هذه السعادة وهذه الرفاهية.

فعند ما نقرأ القرآن الكريم نجد أن هناك أمما كانت عظيمة (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) وامتد التاريخ وطور الإنسان نفسه وبيئته الاجتماعية فمنهم عبد صالح ومنهم فاجر كافر فاستعان المؤمن بالكتب السماوية والأنبياء وصدق بالأوصياء والآخر كفر وتمرد.

فالحضارة والتقدم ليس بعار ولا حرام وإنما أراد الله من الإنسان أن يعمر الأرض ولا يدركها فقد وعدنا الله سبحانه وتعالى من أحسن فله أجر وثواب عظيم وهي جنة ليس كمثلها شيء ووصفها وحبب إلينا الإيمان كي ندخلها وكره إلينا في صدورنا الكفر حتى لا ندخل نار جهنم.

فإن الإنسان إذا ما ابتلي قال من عند الله وإذا ناله خير قال منه. وهذا طبعا غير صحيح فإن الخير من الله سبحانه وتعالى والشر من عمل الإنسان.

نسأل: كيف وصل الإنسان إلى هذه المادية الجوفاء؟ وصل الإنسان إلى هذه المادية الجوفاء بعمله الدنيوي فقد فضل الدنيا على الآخرة وكذب الأنبياء ونسي ربه فهو يعيش مشاكله النفسية والاجتماعية والمادية دون اللجوء إلى الله.

أما المؤمن فإن طلباته في الدنيا قليلة وبسيطة فهو مع الله مع الحبل المتين. فهو غريب في جميع الماديات. إلا أنه ليس بغريب على الله وملائكته ورسله. فنجد دعاءه مستجاباً ومكانته جليلة عند الله لا يسألون الناس الحافا.

فإن مشاكله محلولة وبسيطة لأنه لجأ إلى الله إلى الحبل المتين. فإن الله سبحانه وتعالى وصف الجنة بأنها تقدم لنا على طبق من ذهب وفضة.

فإن الإنسان المادي في حياة معقدة وصعبة فهو يلهث وراء المادة الجوفاء فإن وصل وصل متأخراً! ومتأخرا جدا. فهو يبحث عن سعادة مادية في غير مكانها فهو غير مرتبط بالحبل المتين وهو الله سبحانه وتعالى. وبذلك وعده الله بجهنم وبئس المصير. ووصف العذاب والعقاب الشديد فيها.

فإن الجنة هي نتاج إعجاز إلهي عظيم تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى وكذلك جهنم أعاذنا الله منها فهي نتاج عظمة الخالق سبحانه وتعالى فهو عنده حسن الثواب وشديد العقاب. أما الإنسان المادي فإنه يشترى بمال فإنه في الدنيا يعمل ليل نهار لكي يحقق عزوة ومجد حتى يعيش آخر عمره في سعادة إلا أنه عندما يكبر ويصل إلى قبره ولم يتلذذ بتلك الثروة وذلك المجد وتركها إلى ورثته وذهب أما الآخرة فهي جهنم. فلماذا؟

لأنه نسي حبل الله المتين ونسي دينه وباع آخرته بدنياه. فإنه اشترى جهنم بمال. فإن هذه الدنيا التي لا أحصل عليها إلا أن أدفع شبابي وصحتي وعافيتي لا أريدها. أني أختار حبل الله المتين الذي اعتصم به الأنبياء والأوصياء والمؤمنون.

إن الله سبحانه وتعالى ينادي ليل نهار كي نستجيب لدعوته كل يوم وكل لحظة وكل دقيقة لتلبية دعوته (قد قامت الصلاة) إنه الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس فمن يوق شح نفسه فقد فاز فوزا عظيما.

ليس المقصود بذل الأموال وإنفاقها في سبيل الله فقط ولكن الجهاد بأن يجود الإنسان بروحه ونفسه وجسده في سبيل الله سبحانه وتعالى.

كيف تتلوث البيئة الاجتماعية؟ فالمعنى هو أن هذه البيئة تتداخل بثقافات وبيئات اجتماعية مختلفة بعضها عن بعض وتتأثر بعضها عن بعض مكونة بيئة اجتماعية جديدة وبتعايش أفراد تلك البيئات الاجتماعية السابقة إلا أنها تتأثر بأصول جميع تلك البيئات من قريب وبعيد. فإن رئيس تلك البيئات الاجتماعية المتداخلة يجب أن يكون من نتاج تلك البيئات الاجتماعية وإلا فإن تلك الأفراد تتقاتل وتتكالب على مركز ذلك الرئيس.

فلذلك نجد أن تلك البيئة الاجتماعية الجديدة:

1- تختلط فيها اللغة بتلك اللغات مستخرجة لغة لتلك الجماعة الجديدة. 2- تختلط تلك الثقافات والبيئات الاجتماعية بتكون عادات وتقاليد جديدة. 3- تختلط مفاهيم اجتماعية مختلفة في اللغة والبيئة والثقافة والمفاهيم والعادات والسلوك لتنتج مفاهيم اجتماعية في اللغة والبيئة والثقافة والمفاهيم والعادات والسلوك جديدة تضم أفراد المجتمع الجديد. 4- تختلط دوافع وانفعالات جديدة مقتبسة من تلك البيئة الاجتماعية الجديدة. 5- تختلط قيم دينية جديدة ذات أبعاد بيئية اجتماعية لكل جماعة على انفراد.

كيف نتجنب التلوث البيئي الاجتماعي:

1- نتجنب ذلك التلوث بأن يكون لدينا قيم ثابتة وراسخة بهدى كتاب سماوي من عند الله سبحانه وتعالى ونبي يهدينا ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر.

2- أن يكون بعد هذا النبي (حيث إن الإنسان غير مخلد) جماعة من نفس ذلك النبي تحمل معه تلك الرسالة وتوصلها إلى أفراد مجتمعها.

3- يجب على هؤلاء الأوصياء أن تقع على عاتقهم مسؤولية تعليم أفراد المجتمع تلك القيم الدينية.

4- أن يتقبل أفراد ذلك المجتمع أوصياء نبيهم.

5- يجب أن يكون ذلك الدين دين الإسلام الحنيف ونبيه محمد بن عبد الله (ص) وأوصيائه أبناءه وصهره علي بن أبي طالب وأولاده النجباء.

6- لابد أن تكون اللغة الجامعة هي اللغة العربية التي يتكلمها أفراد المجتمع الجديد.

كيف نحافظ العهد على ذلك المجتمع الجديد الذي تسوده تلك البيئة الاجتماعية الجديدة؟

1- المحافظة على الكتاب السماوي وهو القرآن الكريم: (نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

2- الرجوع إلى سيرة نبينا الحبيب وأهل بيته الطاهرين.

3- التمسك بأولياء الله الصالحين وهم أهل البيت عليهم السلام.

4- محبة سيرة نبينا وأوصيائه.

5- المحافظة على اللغة الجامعة وهي اللغة العربية.

كيف نحافظ على نظافة تلك البيئة الاجتماعية الجديدة:

1- يجب على رئيس المجتمع وغالبا ما يكون نبيا أو وصيا ويكون من ذلك التفاعل البيئي الاجتماعي الجديد.

2- الا يعارض أفراد المجتمع الجديد تعليمات الرئيس.

3- أن يحظى جميع أفراد المجتمع الجديد بالفرص الاجتماعية في التعايش بسلام مع رئيسه ونوابه.

4- كيف يحب أفراد المجتمع رئيسهم؟! - بتقبله وتقبل تعليماته ووصاياه والرضى بأمره.

5- أن توزع الثروات المادية والعينية على أفراد المجتمع الجديد حسب تعليمات الدين الحنيف.

6- أن يكون الرئيس هو المسؤول الأول والأخير أمام الله عن رعيته.

7- أن يكون بطانة نواب الرئيس من أفراد المجتمع الجديد.

8- يتزوج أفراد المجتمع من مجتمعه الجديد لإنتاج أفراد مجتمع ذي ذرية اجتماعية جديدة.

9- يعتني أفراد المجتمع الجديد بأفراد مجتمع بيئة اجتماعية جديدة.

10- يعتني أفراد المجتمع الجديد بشيوخ أفراد المجتمع البيئي الاجتماعي القديم.

كيف يبقى المجتمع الجديد خال من التلوث البيئي الاجتماعي؟

يجب أن يكون:

1- أفراد المجتمع الجديد من سلالة تلك البيئات الاجتماعية القديمة.

2- أن يمثل أفراد المجتمع الجديد أفراد مجتمع صفوة من تلك البيئات الاجتماعية الجديدة.

3- أن تبقى اللغة الجامعة اللغة العربية.

4- أن يكون الكتاب السماوي هو حصر التشريع في المجتمع الجديد.

5- أن يكون التعاون بين أفراد المجتمع الجديد والصفوة على البر والتقوى.

6- أن يتجلى أفراد المجتمع الجديد على قيم وسلوك البيئة الاجتماعية الجديدة.

7- أن يتوحد أفراد المجتمع الجديد وأفراد البيئة الاجتماعية القديمة.

8- أن يكون بذل النفقات في سبيل الله بيد رئيس المجتمع الجديد.

وبذلك نحصل على مجتمع جديد ناتج عن تفاعل وتمازج تلك البيئات الاجتماعية المختلفة التي يحيطها سور واحد من أرض وسماء وماء.

 

* كاتبة كويتية

 

   

لولا رسول الله (ص) لما خلق الله الدنيا   أعلى

 

بقلم: محمد الطهمباسبي*

سيفنى العالم وتقوم القيامة ولا يزال الإنسان جاهلا بمعرفة عظمة الخالق عز وجل وحكمته، كيف ذلك ونحن لم ندرك حتى هذا اليوم بل ربما حتى تقوم الساعة عظمة مقام سيد المخلوقات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالعقول عاجزة عن إدراك حقيقة مقام هذا المخلوق بل هذا النور الملكوتي، وما عرفناه عنه ليس إلا قطرة من بحر عظيم ليس له حد يدركه عقول البشر، وليس في ما ذكرناه غلواً، وإنما الغلو إن أوصلناه وقلنا فيه ما نقوله في الخالق سبحانه وتعالى، وأما دون ذلك فلا شك أن الله عزوجل قد أعطاه إياه بشهادة الأدلة والبراهين النقلية والعقلية معاً.

فلما ننظر إلى الأدلة النقلية في بيان شيء من مقام رسول الله (ص) كالأحاديث والأخبار وبعض مضامين الأدعية الواردة عنه وعن أهل بيته عليهم الصلاة والسلام، ولما ننظر أيضاً إلى شروح العلماء لتلك الأحاديث والأدعية المبنية على أدلة وقواعد مسلمة، نجد بأن العقل يصل إلى مرحلة يتوقف فيها عن فهم ما هو أرقى وأسمى مما توصلت إليه العقول من إدراكه من المعاني.

ولما ننظر إلى كل تلك الأدلة النقلية والعقلية ولما ينبهر العقل ويشل عن التصور والتفكير أكثر مما توصل إليه، يصطدم بشرذمة تحاول تحطيم هذا المقام ونسفه ويدعون بعد ذلك ولائهم لرسول الله (ص)!

فمنذ أن ظهرت آخر الفرق الإسلامية التي كانت من ثمار الاستعمار الإنجليزي وهي تسعى لإخماد نور أهل بيت المصطفى (ص) المتوهج الذي لا يزال ولن يزال يمتد شعاعه إلى جميع أقطار الكرة الأرضية، حتى تطاول بهم الأمر بأن يعتدوا على مقام رسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام بسبب ما ذكرناه وبسبب الجهل المركب المحكم الغالب عليهم.

فمن اعتدائهم على الحضرة النبوية، هو إنكارهم وإشكالهم على الأحاديث والآثار الواردة عن رسول الله (ص) وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام والصحابة وغيرهم التي تنص على أنّه: لولا رسول الله (ص) لما خلق الله عزّ وجل الإنس والجن بل الكون كما سيأتي.

فأبطلوا بذلك أحاديث وآثاراً كثيرة ثابتة في هذا المقام، كحديث عمر بن الخطاب الذي أخرجه الحاكم في (المستدرك) 615/2 والبيهقي في (دلائل النبوة) 489/5 والطبراني في (المعجم الصغير) 82/2 وغيرهم عنه عن رسول الله (ص) أنه قال: (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله عزوجل: يا آدم! كيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: لأنك يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحبّ الخلق إليك، فقال الله عز وجلّ: صدقت يا آدم، إنّه لأحب الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك. ولولا محمد ما خلقتك. الذي ذكرناه في كتابنا (التوسل والشفاعة) بتحقيق مفصل مع أحاديث أخرى كثيرة.

فلما فرغوا من محاولة تضعيف الحديث من ناحية السند، لجأوا لإبطال الشطر الأخير من الحديث بالاحتجاج بقوله تعالي: (وما خلقت الجن والإنس إلاً ليعبدون) بأن الله عزّ وجل ذكر خلاف ما في الحديث، وهو بأن العلة التي من أجلها خلق الإنسان هي عبادته جل وعلا، وهذا المعنى يعارض ما ورد في الحديث: (ولولا محمد ما خلقتك)، فلما تعارض الخبر الواحد الذي هو ظني الثبوت مع كونه ضعيف السند - كما في نظرهم - مع ما هو قطعي الثبوت وهو القرآن الكريم لأنه ثابت بالتواتر، دلّ على بطلان الحديث.

فأقول: أما من ناحية السند، فقد أثبتنا صحّته في كتابنا السالف الذكر، وأما كونه من أخبار الآحاد، فقد بيّنا في كتابنا المذكور أيضا بأنّه من الأحاديث المتواترة بالتواتر المعنوي في كتب أهل السنة، وبالتواتر اللفظي والمعنوي في كتب الشيعة، وقد حكم بذلك جمع من كبار علماء أهل السنة كما ذكرنا في كتابنا كأبي عبد الله الحاكم النيسابوري وشهاب الدين الخفا جي وتقي الدين السبكي والكوثري وغيرهم.

وأما إحتجاجهم بالآية الشريفة لرد الشطر الأخير من الحديث، فإنما كان لجهلهم بمعنى الآية الشريفة، ولجهلهم برسول الله (ص) ودوره في اكتمال الغاية من الخلقة، وصدق قول الشاعر:

قل للذي يدعي في العلم فلسفة حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء

فأما ما توهموه في فهم الآية، بأنّ العبادة هي الغاية من الخلقة، فالجواب:

أنّ كل فاعل اذا لم ينته فعله إلى غرض كان لغواً، وهذا لا يصدر إلا عن سفيه، فالعاقل لابد أن يكون في فعله الصادر غرض، والغرض هو أمر يستكمل به صاحب الغرض وترتفع به حاجته، وهو خاص بالمخلوقات وممتنع على الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا حكيم كامل منزّه عن النقص، وهو كما ثبت بالأدلة والبراهين في اصطلاح أهل الفلسفة والكلام واجب الوجود، فهو غير مفتقر إلىغيره، بل كل ما سواه مفتقر إليه جل ثناؤه، فغرضه تعالى في افعاله إذن يختلف عن غرض المخلوقات في أفعالهم.

فلوكان غرضه سبحانه وتعالى من خلق الإنسان هو لأجل عبادته فحسب أي ليعود نفع عبادتهم له سبحانه، لانتفت عنه سبحانه صفة الكمال والغنى المطلق، ولكان حاله كحال عباده في الافتقار والاحتياج إلى الغير والعياذ بالله!.

إذن فالعبادة كمالٌ عائدٌ للإنسان نفسه لا لله سبحانه وتعالى، بالإضافة إلى ما يتبعها من الآثار كالرحمة والمغفرة وغير ذلك. فهذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه تعالى هل يمكن أن يكون مغلوبا في الغاية التي يريدها في أي فعل من أفعاله، بمعني أن يتخلّف مراده عن إرادته عزوجلّ؟! لأنّ المشاهد عيانا هو خلاف مراده من الخلقة كما في الآية الشريفة بأن يكون الناس عابدين له تعالى، لأننا نرى أنّ كثيراً من الناس - بل أكثرهم - غير عابدين له تعالى. فهذا الإطلاق - في الآية - ينافي كونه غير مغلوب في الغاية التي يريدها في أفعاله مع كون سياق الآية من أقوى الكلام في الإثبات لأن أداة الاستثناء جاءت بعد أداة النفي.

فالجواب أن إرادته تعالى على قسمين، أحدهما: الإرادة التكوينية، وفي هذا القسم محال أن يتخلف الفعل عن أمر أراد أن يفعله سبحانه. والثاني: الإرادة التشريعية، وفي هذه الإرادة يكون النفع عائداً للإنسان نفسه، ويكون له حرية الاختيار، إن أطاع وفعل ما أراده تعالى له فاز، وإن لم يطع ولم يفعل ما أراده تعالى له خسر وظلم نفسه.

إذن فمحصل معنى الآية الشريفة هو أنّ العبادة أمر أرادها تعالى لعباده لغاية أسمى هي التي من أجلها خلقهم عز وجل، وهي تحصيل العباد للكمال الذي يحصل بالعبادة، وهذا الكمال بالطبع نفعٌ عائدٌ لهم أي للإنس والجن.

وفي آية أخرى قال تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم) وقد فسر المفسرون الرحمة بالهداية كما يفيده قوله عزّوجل: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق)- البقرة آية 213، أي لأجل أن يهتدي الناس خلقهم تعالى. والعبد إذا اهتدى عبد الله عزّ وجل، خاصة إذا وصل إلى الكمال الإنساني وحينئذ تكون عبادته له عزّ وجلّ عبادة الأحرار كما في الحديث ألوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، فلا يكون في نفسه طمع في الجنة أو خوف من النار، وإنما وجد الله مستحقاً للعبادة فعبده، كما في قول أمير المؤمنين (ع): (ما عبدتك طمعاً في جنتك أو خوفاً من نارك، وإنما وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، وهذا هو قمة الكمال التي أراده الله عزّ وجلّ لخلقه، أي الغاية القصوى من الخلقة، إذن فهذا النوع من العبادة التي وصل إليها أمير المؤمنين عليه السلام نتيجة لوصوله إلى أعلى مراتب الكمال، وهذا بالطبع حصل بالهداية.

فإذا عرف ذلك، فقد يقول القائل: إذا كان الكمال هو الغاية، القصوى من الخلقة، فكيف يكون رسول الله (ص) أحد لوازم تلك الغاية، أي بفقده لم يخلق الله عزّ وجلّ الخلق؟!

قلت: لما كان رسول الله (ص) هو الرحمة المهداة للإنس والجن كما في قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، ولما كانت الرحمة هي الهداية كما تقدم، ولما كان الكمال لا يتحقق إلا بالعبادة، ولما كانت العبادة لا تحصل إلا بالهداية، علمنا أنّه (ص) لولاه لما خلق الجن والإنس، لأنّه به حصل الكمال للإنسان وتبيّنت طرقه، وبه تمت الشريعة السماوية، وقد قال (ص): (إنما بعثت لأتمم مكارم اخلاق).

فإن قال قائل: إنّ الله عزّ وجلّ قد خلق الإنس والجن لكي يدخل المطيعين منهم الجنة ويدخل الظالمين منهم النار؟

قلت: في هذه القضية احتمالان: أنّ الجزاء هل هو الغاية من الخلقة أم النتيجة المترتبة على ما أختاره العبد لنفسه؟ فالجواب واضح - للنصوص الواردة في ذلك - بأنّه ليس إلاّ نتيجة اختيار العبد لنفسه.

فإذا عرفت ذلك، فقد علمت أن مسألة الفوز بالجنة والسعادة الأبدية، ليست إلاّ نتيجة للعبادة التي حقيقتها نصب العبد نفسه في مقام الذلة والعبودية والإنقطاع إليه تعالى، وهو فضل منه عزّ وجلّ لعباده، وهو قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا) - الأعراف آية 43- وقوله: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا. خالدين فيها لا يبغون عنها عوجا) - الكهف آية 108.

وقد يقول قائل: أن رسول الله (ص) لا يتفرّد في كونه لازما من لوازم الغاية من الخلقة أي كونه المهدي، لأن الأنبياء عليهم السّلام جميعاً هداة الله تعالى في خلقه المهديين لهم، إذن فهم يشتركون معه في كونهم مهديين لله تعالى.

قلت: كما هو معلوم أنّ الكمال المطلق هي الدرجة النهائية للكمال، ودونه درجات كثيرة، والإسلام هو المرحلة النهائية للشرائع السماوية، أو الشريعة السماوية النهائية الخاتمة والمكملة لبقية الشرائع السابقة التي أرادها الله عز وجل لخلقه، وأما الشرائع السابقة لها فكانت كلّها ناقصة، فما كانت إلا مقدمات لهذه الشريعة الكاملة كما هو معلوم أي تمهيداً لها، فبها ختم الله عزوجل جميع الشرائع السابقة، فهو الكمال المطلق بالنسبة لبقية الشرائع.

ثمّ إنّ الحكيم لا يكون فعله إلاّ حكيماً، والكمال المطلق لا يصدر عنه إلا الكمال، فبعدم ختم الشرائع السّابقة بالإسلام - الذي هو مكمل للشرائع السّابقة - لما نزلت تلك الشرائع السماويّة، فيكون فعله - أي خلقه تعالى للخلق - غير حكيم وناقص أي لغو سفهي، والحال أنّه سبحانه حكيم، على سبيل المثال - ولا مناقشة في الأمثال -: لو اشترى تاجر قطعة من الأرض وجهّز الإسمنت والطّابوق والحديد وتعاقد مع مجموعة من البناءين على بناء منزل، فأمرهم ببناء المنزل وهو لا يريد أن يسكنه وإنما لأجل البناء وحسب، ففعله ليس إلا لغو سفهي، لأنّ غايته لم تكن عقلائية أي السّكن في المسكن الذي هو الغاية القصوى التي يجب أن تكون لفعله أو لبيعه. فكيف يجوز ذلك على الحكيم سبحانه وتعالى؟!

إذن فالنتيجة هي أنّ علّة خلق الإنس والجن هي لأجل الكمال، والكمال لا يحصل إلا بالعبادة، والعبادة لا تحصل إلاّ بالهداية الكاملة، وعلّة وجود الشّرائع السّابقة هي الإسلام، لأنّه الغاية القصوى من إنزال الشّرائع السابقة، لأن وصول العبد إلى الكمال المطلق لا يحصل إلاّ بالأخذ بالدين الكامل، فلولا الإسلام لما وجدت الشرائع السماوية التي سبقته، لأنّه كما قلنا هو الغاية القصوى من إنزال الشرائع السابقة، ويعدم وجود شرائع سماوية تنتفي الغاية من الخلقة وهو تحصيل الكمال.

ثم أنّه لابد لهذا الدين الكامل من رجل كامل، وهو صاحب هذه الشريعة الكاملة (ص) فهو المتمّم للشرائع السّابقة، وهو كما قال عن نفسه: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وبمكارم الأخلاق تكتمل إنسانية الإنسان، وإذا حصل ذلك حصلت عبادة الأحرار التي قالها أمير المؤمنين عليه السلام.

إذن فلولا وجوده صلى الله عليه وآله لما وجدت الشرائع السابقة، وما وجد أصحاب الشرائع السابقة كعيسى وموسى وإبراهيم ونوح وغيرهم عليهم السّلام، وبعدم وجودهم لا تكتمل الغاية من الخلقة. إذن فهو كما قال عزمن قائل لآدم عليه السلام في الحديث الشريف: (ولولا محمد ما خلقتك) - وقد جاء أيضا موقوفا من حديث ابن عباس: (فلولا محمد ما خلقت آدم).

فلو قال قائل: قد علمنا أنّه لولا رسول الله (ص) لما خلق الله تعالى الإنس والجن، ولكن هل يكون الأمر كذلك أيضا في خلق السماوات والأرض كما جاء في حديث آخر كالذي رواه ابن عساكر في (تاريخه) 518/3 مرفوعا وفيه: (ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا)، وكالذي رواه الحاكم في (مستدركه) عن ابن عباس: (أوحي الله إلى عيسى: آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ولما خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن)؟

قلت: هذا صحيح، وفي حديث آخر ما لفظه: (ولولا محمد لما خلقت السماوات والأرض) وهو صحيح أيضا ولا غرابة فيهما.

فالله عز وجلّ قد ذكر في آيات كثيرة في القرآن الكريم أنّه خلق السماوات والأرض وما فيهما وسخرها للإنسان، كما قال عز من قائل: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) - النحل آية 12 وقال: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم) - البقرة 29، وقال: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) [سورة الجاثية: الآية 12 و13].

في (تفسير الجلالين): (سخّر لكم ما في السّماوات - من شمس وقمر ونجوم وماء وغيره - وما في الأرض - من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيرها أي خلق ذلك لمنافعكم).

وقال تعالى: (وهو الذي جعل لكم اللّيل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا)- يونس آية 67، وقال: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها)- الأنعام آية 97، وقال: (والله جعل لكم من بيوتكم سكناً وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم طعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأويارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلىحين)- النحل آية 80، وقال: (الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون) - غافر آية 79، وقال: (والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكناناً وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) - النحل 81.

ولم يخلق الدنيا فحسب للإنس والجن، بل وخلق لهم الآخرة استكمالا لغايته تعالى في الخلقة، فقال عز من قائل: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتّقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرةً ورضوان من الله، والله بصير بالعباد) - آل عمران آية 15، وقال تعالى: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم)- التوبة آية 72.

وفي المقابل خلق لخلقه - المكلّفين منهم - جهنّم لمن استحقه، فقال جل ثناؤه: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) - آل عمران آية 133.

إذن فتبيّن ممّا تقدم أن الدّنيا والآخرة خلقت لأجل الإنسان، والدنيا تشمل الأرض وما فيها من دواب والأنهار وغير ذلك، وتشمل السماوات التي فيها الشمس والقمر والنجوم والأفلاك.

فلولا الإنسان لما خلق الله تعالى السّماوات والأرض، ولولا الشّرائع لما كانت هناك غاية حكيمة من خلق الإنسان، ولولا الإسلام لما نزلت الشرائع، ورسول الله (ص) هو صاحب الشّريعة الكاملة - أي الإسلام - وأب وربّان هذه الأمّة، فلولا رسول الله (ص) لما خلق الله تعالى الدنيا بمافيها.

فحق له سبحانه وتعالى أن يتّخذه حبيبا وشافعاً للبريّة، فصلى الله تعالى على علة الكونين والثقلين ومسلم تسليماً كثيراً.

وللشيخ جمال الدقاق كلام لطيف في هذا المقام، قال: (ومعنى خلق العالم لأجله صلى الله عليه (وآله) وسلم هو إظهار الفضل الإلهي والنعمة الكبرى والرحمة العظمى، فإن ذلك تمثل في شخصه وبعثه ورسالته صلى الله عليه (وآله) وسلم، قال تعالى، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فلابد لهذه الرحمة من وجود العالمين، فهم مظهر تحققها، فلا حرج إذن أن يقال: إن العالم خلق من أجل تلك الرحمة المتعلقة به، ثم إن المتأمل في قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه) يدرك أن كلّ ما في السماوات والأرض خلق لأجل البشر وسخرّ لهم، وإذا كان نبيّنا (ص) بحقيقته النورانية هو الواسطة في هذه المزية إذ لولاه لما خلق آدم (ع) كما تقدم في الحديث الدنيا لأجله صلى الله عليه (وآله) وسلم. والله أعلم الذخائر المحمدية ص 236 (الحاشية).

وقد أيّد ابن تيمية ما ذهبنا إليه في (فتاويه) 96/11 وإن كان قد أبطل الأحاديث الواردة في ذلك، فقال: (محمد سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم عليه، ومن هنا قال من قال: إن الله خلق من أجله العالم أو أنّه لولاه لما خلق عرشا ولا كرسياً ولا سماء ولا أرضا ولا شمسا ولا قمرا، لكن ليس هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لا صحيحا ولا ضعيفا، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، بل ولا يعرف عن الصحابة، بل هو كلام لا يدري قائله، ويمكن أن يفسّر بوجه صحيح كقوله تعالى: (سخر لكم ما في السموات وما في الأرض)، وقوله تعالى: (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّرلكم الأنهاروسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنّهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، وأمثال ذلك من الآيات التي بين فيها أنّه خلق المخلوقات لبني آدم، ومعلوم أنّ لله حكما عظيمة غير ذلك وأعظم من ذلك، ولكن يبين لبني آدم ما فيها من المنفعة وما أسبغ عليهم من النعمة، فإذا قيل: فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى، وكذلك قال القائل: لولا كذا ما خلق كذا، لا يقتضي أن لا يكون فيه حكم أخرى عظيمة، بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم محمد، وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة بالغة مقصودة (أعظم) من غيره، صار تمام الخلق ونهاية الكمال حصل بمحمد صلى الله عليه (وآله) وسلم - أنظر كتاب: (مفاهيم يجب أن تصحيح) ص 64-65 للعلامة ابن علوي المالكي. وقال العلامة الشيخ ابن علوي المالكي بعد ما تقدم من كلام ابن تيمية: (وهاهو الشيخ ابن تيمية هنا يقول: إنّ هذا الكلام له وجه صحيح، فأين هذا القول من قول من أقعد الدنيا وأقامها، وأخرج القائلين بذلك عن دائرة الإسلام، ووصفهم بالضلال والشرك، أو بالبدعة والتحريف، ثم يدعي زوراً وبهتانا أنه سلفي تيمي، وهو بعيد كل البعد عن ابن تيمية وعن السلفي) - مفاهيم يجب أن تصحح ص 65.

إذن فالآية الثانية وبالنّظر إلى الآية الأولي، تثبت حقيقة توجب تحديد وتبيين الحقيقة التي تثبتها الآية الأولى، وهي أن الرحمة لعباده هي الغاية القصوى للخلقة، وأما العبادة فليست إلا الطرق لتحصيل تلك الرحمة.

فالآية الثانية إذن تثبت للخلقة غاية وهي الرّحمة المقارنة للعبادة والاهتداء، ونتيجة الرحمة هوالفوز بالسعادة الأبدية، ولما كانت الإطاعة موجبة للفوز بالسعادة الأبدية، وحيث كانت العبادة طريق إلى الكمال، كانت الغاية الحقيقية من الخلقة هي السعادة الأبدية، كما في قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا)- الأعراف آية 43. وقوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا. خالدين فيها لا يبغون عنها عوجا)- الكهف آية 108.

إذن فتبين أن الغاية القصوى من الخلقة التيهي السعادة الأبدية التي لا تتحقق إلاّ بالعبادة - التي هي الغاية الوسطى - والطاعة التامة لله جل وعلا.

ثم إنّ، وحيث كانت الرحمة الإلهية هي الهداية، علمنا أن رسول الله (ص) هو الهداية الإلهية للمؤمنين، أي هو من به يهدي من يشاء فيكونوا عابدين مشمولين بالرحمة الإلهية التي تحدث بإرادة العبد لنفسه، ولما كانت رحمة الله الواسعة قد تمثلت في أفضل بريّته وهو حبيب الله المرتضى ورسوله المصطفى (ص) كما قال عز من قائل: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين)، كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو عين رحمة الله تعالى في خلقه من الإنس والجن، فمن أطاعه دخل تحت ظل تلك الرحمة الواسعة.

فعلى ذلك، لن يفوز بالسعادة الأبدية إلاّ من استحق الرحمة الإلهية بإطاعة المصطفى (ص) وقد علمنا أن الغاية من خلقة الإنس والجن هو الفوز بالسعادة الأبدية، فلما كان رسول الله هو الطريق إلى تحصيل تلك الغاية السامية، علمنا أن بفقده لم يكن للخلقة غاية وهي السعادة الأبدية، ولما علمنا أن الفاعل لا يصدر عنه فعلٌ من دون غاية إلاّ أن يكون الفاعل سفيها، ولما كان الله سبحانه وتعالى حكيماً منزهاً عن ذلك، ولما علمنا أن الغاية من خلق الإنس والجن هو للسعادة الآبدية لهما، وكانت الرحمة والهداية والعبادة لوازم السعادة الأبدية - التي هي الغاية من الخلقة - وبفقد لازم من لوازم السعادة الأبدية التي هي الهداية والعبادة تبطل معها الغاية القصوى لله تعالى من الخلقة التي هي السعادة الأبدية لهم، ولما كان رسول الله (ص) هو الرحمة والهداية الإلهية للإنس والجن، علمنا أنه بفقده (ص) تبطل الغاية القصوى من الخلقة، فثبت كونه علة.

إذن فالنتيجة هي أن السعادة لا تتحقق إلا بالعبادة، والعبادة لا تتحقق إلا بالاهتداء، والذي به يهدي الله عباده هو رسول الله (ص)، فلولاه (ص) لما وجد المهتدون، إذن فلولاه لما وجد العابدون، إذن فلولاه لما وجد السعداء الذين هم وجودهم هو الغاية من الخلقة، إذن فلولا رسول الله (ص) لما خلق الله تعالى العالمين، أي الجن والإنس.

 

*مؤلف ومحقق كويتي

 

   

أعلى